منتديات مملكة البحرين

آخر المواضيع

العودة   منتديات مملكة البحرين > المنتديات العامة > المجتمع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

[glow="99FFFF"]


[glint]

[blink]

لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

[/blink]






لماذا يتجرأ الرجل على خيانة زوجته بالاستئناس للتحدث الى غيرها أثناء غيابها عنه ؟؟؟؟





..... ولماذا تعددت أشكال الخيانات الزوجية في مجتمعنا عن ذي قبل ؟؟؟









كيف يجرأ بالنظر الى غيرها وهي التي قامت بأعباء مؤبدة شاقة ؟؟؟







كيف يجرأ في خيانتها أثناء غيابها عن عينيه وهي التي ساعدته في أحلك الظروف ، مثال على ذلك بيعها لمدخراتها من الحلي والجواهر في الأيام العصيبه !!!!



يقول أستاذ جامعي ميسور الحال وهو ملتزما بكافة أعباء أسرته المعيشية..... بأن موقفا واحدا لا ينساه ولا يتجرأ حتى بالنظر الى غيرها أثناء غياب زوجته عن عينه ..... وهذا الموقف هو نومها بدون لحاف أثناء شتاء قارس عند نزوحهما من بلدتهما ولم يكن لديها سوى معطفها لكي تقيه من شر البرد




لماذا تجه البعض للزواج فرند ؟؟؟
وهو محرم شرعا

مع أن العديد من تلك السلوكيات التي يحللها بعض الرجال محرمة شرعا .... والبعض يداوم على العبادات ولكن يسمح لنفسه بتلك السلوكيات مع أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر







[/glint]
..............

[/glow]

التعديل الأخير تم بواسطة golden beach ; 11-11-2007 الساعة 04:41 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

عذريـــــــــــة الرجــــــــــــــلفض الظلاموفاء الحلو
*[glow="CCCCFF"]''‬[glint]الأخلاق ليس لها مقاييس بيولوجيه*'' ‬هذا ما قالته الدكتورة نوال السعداوي* ‬وترددت أصداء هذه الجملة كما الترميم المقدسة وسط عالم مدنس*.‬

أشكر الرب الذي* ‬منحني* ‬الفرصة للجلوس مع جمع ضم نساء ورجالاً* ‬مسلمين وراهبات للاستماع عن قرب بالصوت والصورة لإحدى أكبر كتاب العالم العربي* ‬الدكتورة نوال السعداوي* ‬في* ‬إحدى الندوات بالقاهرة،* ‬وكان ذلك في* ‬عام* ‬*.‬2005
فالشرف والفضيلة لا علاقة لهما بقطرات دم،* ‬كما أن الأخلاق ليست حكراً* ‬على النساء دون معشر الرجال*.‬




من هنا* ‬يمكن القول إن كثير هن الفتيات اللواتي* ‬لم* ‬يمسسن قط،* ‬بالمقابل لا علاقة لهن بالفضيلة،* ‬وفتيات أخريات كتب عليهم الرب أن* ‬يولدن دون* (‬غشاء بكارة&#8238 ‬وأخريات تخلين عنه بمحض إرادتهن وبعضهن أجبرن على التخلي* ‬عنه،* ‬ورغم ذلك ما زلن عذراوات،* ‬وكثيرون هم الرجال الذين انفض* ‬غشاء بكارتهم ولم* ‬يعودوا عذارى*.‬
فللرجل عذريه كما المرأة تماماً،* ‬[blink]الرجل الكاذب الخائن الظالم الفاسق منفضة بكارته،[/blink]* ‬وهو ليس بحاجة إلى ترقيع بقدر حاجته إلى التأهيل ولو كانت الأخلاق لها معايير بيولوجية حسب ما هو سائد في* ‬المجتمع لما أصبح الرجال عذارى،* ‬ولأصبح بعض النساء اللواتي* ‬لجأنا إلى الترقيع شريفات بلا منازع*.‬
المشكلة أن المجتمع* ‬ينظر إلى الفضيلة من خلال مفاهيم ضيقة،* ‬بينما الشرف والفضيلة ذات معاني* ‬واسعة النطاق* ‬يفوق ما* ‬يروج له المجتمع الظلامي*.‬
فالكذب والخيانة والنفاق وكل أنواع الإساءة للآخرين من مسقطات الفضيلة*.‬
فمنطق العدالة* ‬يفترض إخضاع كلا الجنسين لنفس معيار الشرف والفرق الوحيد أن النساء* ‬يتخليين عن شرفهن البيولوجي* ‬في* ‬الظلام،* ‬في* ‬حين أن بعض الرجال والنساء* ‬يتخلون عن شرفهم وفقاً* ‬للمفهوم الواسع في* ‬وضح النهار
*.[/[/glint]glow]
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-11-2007
الصورة الرمزية زعيم القراصنة
زعيم القراصنة زعيم القراصنة غير متواجد حالياً
العضو الذهبي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
المشاركات: 2,339
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

أعتقد أن الشرك في الحب هو فطرة إنسانية عند كل إنسان من ذكر وأنثى ، لكن يبقى التفضيل قائم .


قد أغرم فتاة معينة ، ولكن هذا لايعني أنني أمارس الرهبانة والتوحيد في دين الهوى ، لأنني قد أميل فطريا لفتاة أخرى وأعجب بها لسبب ما أيضا ، وهذا لايعني أنني أكره الفتاة الأخرى .


كذلك بالنسبة للإناث نفس المنطق ، وأعتقد أن ثقافة التعددية في الحب أصبحت سائدة بين الجنسين متزوجين وعزاب بشكل سري جدا ، لأنها مسألة حساسة .
__________________
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-11-2007
لسان العرب لسان العرب غير متواجد حالياً
العضو الذهبي
 
تاريخ التسجيل: May 2004
العمر: 34
المشاركات: 2,626
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

موضوع جميل جدا .. شكرا جزيلا
__________________
خذ العفو،وأمر بالعرف،وأعرض عن الجاهلين(الأعراف/199)


أبا محمد ، أبا محمد (أيضاً) ، أبا عبدالرحمن ، أبا خليفة ، بعدتم عن العينين فزداد حبكم ،، وغبتم وأنتم في الفؤاد حضور ،،، فجودوا بوصل فالزمان مفرق ،، وأغلب عمر العاشقين قصير ،، كم أدمى الفؤاد فراقكم ، ولكم أشتاق لرؤياكم ... ياااا الله كم أشتاق


وعهد الله علينا سنجعلكم تتحسرون على أيام مضت قلتم فيها لنا لا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-11-2007
الصورة الرمزية الصنتيت
الصنتيت الصنتيت غير متواجد حالياً
صديق المنتدى
 
تاريخ التسجيل: May 2007
العمر: 39
المشاركات: 4,400
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

ضعف الأيمان هو السبب الرئيسي
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

حفاظا على المجتمع من هؤلاء




يجب ابلاغ زوجة الخائن عن أية خيانة مهما كانت ضآلة تلك الخيانة لأن النار تأتى من مستصغر الشرر
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-11-2007
الصورة الرمزية mathlwm
mathlwm mathlwm غير متواجد حالياً
صديق المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
العمر: 60
المشاركات: 35,185
إستفسار مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

اسباب خيانة الزوج لزوجته كثيرة ومتعددة وهذه بعض النقاط التي تتسبب في خيانة الزوج لزوجة وهناك امور اخرى لكن هذه هي الاهم.

.1-وتبدأ خيانة الزوج لزوجته بعد أن تصبح العشرة بينهما باردة باهتة، ومن هنا تبدأ الرومانسية التي كان ينشدها تختفي من حياته، وتصبح الأمور غير التي توقعها عندما تزوج،

2-أن زوجته أصبحت لا تعطيه ما يريد مما يجعله يفكر بامرأة أخرى

3- الانتباه الزائد من قبل الزوجة للطفل وعدم الاهتمام بالزوج يوجه أنظاره لامرأة أخرى حتى يثبت انه مازال جذابا ومرغوبا، وانه لم يفقد حيويته ونشاطه بعد.

4-عندما لا تصغي الزوجة لزوجها حين يشكو لها عناء التعب من العمل أو من أي مشكلات أخرى، فانه يتجه لغيرها ليحقق هدفه وربما يجد من يصغي إليه

5-إذا أصبحت الزوجة لا تحترم زوجها ولا تقدره وبخاصة أمام أهلها أو أهله وبدأت تستهزئ به أو تسخر من تصرفاته،

6-عدم توافر الجو المناسب للزوج في المنزل من جميع النواحي، من حيث الاهتمام به وإشعاره بأنه مهم بالمنزل وإنها بحاجة له، وانه الركيزة التي ترتكز عليها الأسرة.

7-حرمان الزوج من ابتسامة زوجته عند استقباله أو توديعه وعدم سعي الزوجة لإضفاء جو مرح في المنزل من عدم الاهتمام بملابسه ومشاركته بالاختيار وابداء رأيها بأناقته
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

الكتاب من هنا

الكتاب هنا
إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله وتعرف إليهم بما أسداه إليهم من إنعامه وإفضاله فعلموا أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به أحد من خلقه في إكثاره وإقلاله لا يحصي أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه على لسان من أكرمهم بإرساله الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء والباطن الذي ليس دونه شيء ولا يحجب المخلوق عنه تستره بسر باله الحي القيوم الواحد الأحد الفرد الصمد المنفرد بالبقاء وكل مخلوق منتهى إلى زواله السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات فلا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين في سؤاله البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله وألطف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده ومشاهدته لاختلاف أحواله فإن أقبل إليه تلقاه وإنما إقبال العبد عليه من إقباله وإن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه ولم يدعه في إهماله بل يكون أرحم به من الوالدة بولدها الرفيقة به في حمله ورضاعه وفصاله فإن تاب فهو أفرح بتوبته من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا وجدها وقد تهيأ لموته وانقطاع أوصاله وإن أصر على الإعراض ولم يتعرض لأسباب الرحمة بل أصر على العصيان في إدباره وإقباله وصالح عدو الله وقاطع سيده فقد استحق الهلاك ولا يهلك على الله إلا الشقى الهالك لعظيم رحمته وسعة إفضاله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا فردا صمدا جل عن الأشباه والأمثال وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لحكمه ولا معقب لأمره : وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال [ الرعد : ] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم له بحقه وأمينه على وحيه وخيرته من خلقه أرسله رحمة للعالمين إماما للمتقين وحسرة على الكافرين وحجة على العباد أجمعين بعثه على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعظيمه وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فشرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل الذل والصغار على من خالف أمره وأقسم بحياته في كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فلا يذكر إلا ذكر معه كما في التشهد والخطب والتأذين فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله لا يرده عنه راد مشمرا في مرضاة الله لا يصده عن ذلك صاد إلى أن أشرقت الدنيا برسالته ضياء وابتهاجا ودخل الناس في دين الله أفواجا أفواجا وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار ثم استأثر الله به لينجز له ما وعده به في كتابه المبين بعد أن بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وأقام الدين وترك أمته على البيضاء الواضحة البينة للسالكين وقال : هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين [ يوسف : 108 ]
أما بعد : فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا بل جعلهم موردا للتكليف ومحلا للأمر والنهي وألزمهم فهم ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا وقسمهم إلى شقي وسعيد وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا وأعطاهم مواد العلم والعمل : من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضيلا فمن استعمل ذلك في طاعته وسلك به طريق معرفته على ما أرشد إليه ولم يبغ عنه عدولا فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزن حزنا طويلا فإنه لابد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا [ الاسراء : 36 ]
ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما شاء فكلها تحت عبوديته وقهره وتكتسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله قال النبي : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به القابلة لما يأتيها من هديته ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته وهو المسئول عنها كلها لأن كل راع مسئول عن رعيته : كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس وأقبل بوجوه الشهوات إليه وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق وأمده من أسباب الغى بما يقطعه عن أسباب التوفيق ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى والتعرض لأسباب مرضاته والتجاء القلب إليه وإقباله عليه في حركاته وسكناته والتحقق بذل العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان ليحصل له الدخول ضمان إن عبادي ليس لك عليهم سلطان [ الحجر : 42 ] فهذه الإضافة هي القاطعة بين العبد وبين الشياطين وحصولها سبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين وإشعار القلب
إخلاص العمل ودوام اليقين فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين وشمله استثناء إلا عبادك منهم المخلصين [ الحجر : 40 ]
ولما من الله الكريم بلطفه بالاطلاع على ما اطلع عليه من أمراض القلوب وأدوائها وما يعرض لها من وساوس الشياطين أعدائها وما تثمر تلك الوساوس من الأعمال وما يكتسب القلب بعدها من الأحوال فإن العمل السيىء مصدره عن فساد قصد القلب ثم يعرض للقلب من فساد العمل قسوة فيزداد مرضا على مرضه حتى يموت ويبقى لا حياة فيه ولا نور له وكل ذلك من انفعاله بوسوسة الشيطان وركونه إلى عدوه الذي لا يفلح إلا من جاهره بالعصيان : أردت أن أقيد ذلك في هذا الكتاب لأستذكره معترفا فيه لله بالفضل والإحسان ولينتفع به من نظر فيه داعيا لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان وسميته : إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ورتبته على ثلاثة عشر بابا : الباب الأول : في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت الباب الثاني : في ذكر حقيقة مرض القلب الباب الثالث : في انقسام أدوية أمراض القلب إلى طبيعية وشرعية الباب الرابع : في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته كل شر وفتنة فيه الباب الخامس : في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا للحق مريدا له مؤثرا له على غيره الباب السادس : في أنه لا سعادة للقلب ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه الباب السابع : في أن القرا ن الكريم متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه الباب الثامن : في زكاة القلب الباب التاسع : في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه الباب العاشر : في علامات مرض القلب وصحته
الباب الحادي عشر : في علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه الباب الثاني عشر : في علاج مرض القلب بالشيطان الباب الثالث عشر : في مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن ا دم وهو الباب الذي لأجله وضع الكتاب وفيه فصول جمة الفوائد حسنة المقاصد والله تعالى يجعله خالصا لوجهه مؤمنا من الكرة الخاسرة وينفع به مصنفه وكاتبه والناظر فيه في الدنيا والا خرة إنه سميع عليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
الباب الأول في انقسام القلوب إلى صحيح وسقيم وميت لما كان
القلب يوصف بالحياة وضدها انقسم بحسب ذلك إلى هذه الأحوال الثلاثة فالقلب الصحيح : هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به كما قال تعالى : يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [ الشعراء : 88 ] والسليم هو السالم وجاء على هذا المثال لأنه للصفات كالطويل والقصير والظريف فالسليم القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له كالعليم والقدير وأيضا فإنه ضد المريض والسقيم والعليل
وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك : أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره فسلم من عبودية ما سواه وسلم من تحكيم غير رسوله فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده قالقلب السليم : هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما بل قد خلصت عبوديته لله تعالى : إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء وخلص عمله لله
فإن أحب أحب في الله وإن أبغض أبغض في الله وإن أعطى أعطى لله وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب وهي العقائد وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها وأعمال الجوارح فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقعه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل كما قال تعالى : يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله [ الحجرات : 1 ] أي لا تقولوا حتى يقول ولا تفعلوا حتى يأمر قال بعض السلف : ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان : لم وكيف أى لم فعلت وكيف فعلت فالأول سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه : هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى وابتغاء الوسيلة إليه
ومحل هذا السؤال : أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك
والثاني : سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه
فالأول سؤال عن الإخلاص والثاني عن المتابعة فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما
فطريق التخلص من السؤال الأول : بتجريد الإخلاص وطريق التخلص من السؤال الثاني : بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص وهوى يعارض الاتباع فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة
فصل في القلب الميت
والقلب الثاني : ضد هذا وهو القلب الميت الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه بل هو واقف مع شهواته ولذاته ولو كان فيها سخط ربه وغضبه فهو لا يبالي إذا فاز بشهوته وحظه رضى ربه أم سخط فهو متعبد لغير الله : حبا وخوفا ورجاء ورضا وسخطا وتعظيما وذلا إن أحب أحب لهواه وإن أبغض أبغض لهواه وإن أعطى أعطى لهواه وإن منع منع لهواه فهواه ا ثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه فالهوى إمامه والشهوة قائده والجهل سائقه والغفلة مركبه فهو بالفكر في تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور ينادى إلى الله وإلى الدار الا خرة من مكان بعيد ولا يستجيب للناصح ويتبع كل شيطان مريد الدنيا تسخطه وترضيه والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه فهو في الدنيا كما قيل في ليلى :
عدو لمن عادت وسلم لأهلها % ومن قربت ليلى أحب وأقربا فمخالطة صاحب هذا القلب سقم ومعاشرته سم ومجالسته هلاك
فصل في القلب المريض
والقلب الثالث : قلب له حياة وبه علة فله مادتان تمده هذه مرة وهذه أخرى وهو لما غلب عليه منهما ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه : ما هو مادة حياته وفيه من محبة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها والحسد والكبر والعجب وحب العلو والفساد في الأرض بالرياسة : ما هو مادة هلاكه وعطبه وهو ممتحن بين داعبيين : داع يدعوه إلى الله ورسوله والدار الآخرة وداع يدعوه إلى العاجلة وهو إنما يجيب أقربهما منه بابا وأدناهما إليه جوارا قالقلب الأول حى مخبت لين واع والثاني يابس ميت والثالث مريض فإما إلى السلامة أدنى وإما إلى العطب أدنى
وقد جمع الله سبحانه بين هذه القلوب الثلاثة في قوله : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان
ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم [ الحج : 52 54 ]
فجعل الله سبحانه وتعالى القلوب في هذه الا يات ثلاثة : قلبين مفتونين وقلبا ناجيا فالمفتونان : القلب الذي فيه مرض والقلب القاسي والناجي : القلب المؤمن المخبت إلى ربه وهو المطمئن إليه الخاضع له المستسلم المنقاد
وذلك : أن القلب وغيره من الأعضاء يراد منه أن يكون صحيحا سليما لا ا فة به يتأتى منه ما هيىء له وخلق لأجله وخروجه عن الاستقامة إما ليبسه وقساوته وعدم التأتي لما يراد منه كاليد الشلاء واللسان الأخرس والأنف الأخشم وذكر العنين والعين التي لا تبصر شيئا وإما بمرض وآفة فيه تمنعه من كمال هذه الأفعال ووقوعها على السداد فلذلك انقسمت القلوب إلى هذه الأقسام الثلاثة
فالقلب الصحيح السليم : ليس بينه وبين قبول الحق ومحبته وإيثاره سوى إدراكه فهو صحيح الإدراك للحق تام الانقياد والقبول له
والقلب الميت القاسي : لا يقبله ولا ينقاد له
والقلب المريض : إن غلب عليه مرضه التحق بالميت القاسي وإن غلبت عليه صحته التحق بالسليم
فما يلقيه الشيطان في الأسماع من الألفاظ وفي القلوب من الشبه والشكوك : فتنة لهذين القلبين وقوة للقلب الحي السليم لأنه يرد ذلك ويكرهه ويبغضه ويعلم أن الحق في خلافه فيخبت للحق ويطمئن وينقاد ويعلم بطلان ما ألقاه الشيطان فيزداد إيمانا بالحق ومحبة له وكفرا بالباطل وكراهة له فلا يزال القلب المفتون في مرية من إلقاء الشيطان وأما القلب الصحيح السليم فلا يضره ما يلقيه الشيطان أبدا
قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وا له وسلم تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين : قلب أسود مربادزا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض فشبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير وهي طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس وهو معنى قوله كالكوز مجخيا أي مكبوبا منكوسا فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الا فتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك : أحدهما : اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة والحق باطلا والباطل حقا الثاني : تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وانقياده للهوى واتباعه له
وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر فيه مصباحه فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات فتن الغي والضلال فتن المعاصي والبدع فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد
وقد قسم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة كما صح عن حذيفة بن اليمان : القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أغلف فذلك قلب الكافر وقلب منكوس فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمى وقلب تمده مادتان : مادة إيمان ومادة نفاق وهو لما غلب عليه منهما 1
فقوله : قلب أجرد أي متجرد مما سوى الله ورسوله فقد تجرد وسلم مما سوى الحق و فيه سراج يزهر وهو مصباح الإيمان : فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات الباطل وشهوات الغى وبحصول السراج فيه إلى إشراقه واستنارته بنور العلم والإيمان وأشار بالقلب الأغلف إلى قلب الكافر لأنه داخل في غلافه وغشائه فلا يصل إليه نور العلم والإيمان كما قال تعالى حاكيا عن اليهود : وقالوا قلوبنا غلف [ البقره : 88 ] وهو جمع أغلف وهو الداخل في غلافه كقلف وأقلف وهذه الغشاوة هي الأكنة التي ضربها الله على قلوبهم عقوبة له على رد الحق والتكبر عن قبوله فهي أكنة على القلوب ووقر في الأسماع وعمى في الأبصار وهي الحجاب المستور عن العيون في قوله تعالى : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ الأنعام : 25 ] فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا
وأشار بالقلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق كما قال تعالى : فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا [ النساء : 88 ] أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة وهذا شر القلوب وأخبثها فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه والحق باطلا ويعادى أهله فالله المستعان
وأشار بالقلب الذي له مادتان إلى القلب الذي لم يتمكن فيه الإيمان ولم يزهر فيه سراجه حيث لم يتجرد للحق المحض الذي بعث الله به رسوله بل فيه مادة منه ومادة من خلافه فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان وتارة يكون للإيمان أقرب منه للكفر والحكم للغالب وإليه يرجع الباب الثاني في ذكر حقيقة مرض القلب قال الله تعالى عن المنافقين
: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [ البقره : 10 ] وقال تعالى : ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض [ الحج : 53 ] وقال تعالى : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض [ الأحزاب : 32 ] أمرهن أن لا يلن في كلامهن كما تلين المرأة المعطية الليان في منطقها فيطمع الذي في قلبه مرض الشهوة ومع ذلك فلا يخشن في القول بحيث يلتحق بالفحش بل يقلن قولا معروفا وقال تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغر ينك بهم [ الأحزاب : 60 ] وقال تعالى : وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا [ المدثر : 31 ] أخبر الله سبحانه عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر فذكر سبحانه خمس حكم : فتنة الكافرين فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم وقوة يقين أهل الكتاب فيقوى يقينهم بموافقة الخبر بذلك لما عندهم عن أنبيائهم من غير تلق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم فتقوم الحجة على معاندهم وينقاد للإيمان من يرد الله أن يهديه وزيادة إيمان الذين آمنوا بكمال تصديقهم بذلك والإقرار به وانتفاء الريب عن أهل الكتاب لجزمهم بذلك وعن المؤمنين لكمال تصديقهم به فهذه أربعة حكم : فتنة الكفار ويقين أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين وانتفاء الريب عن المؤمنين وأهل الكتاب والخامسة : حيرة الكافر ومن في قلبه مرض وعمى قلبه عن المراد بذلك فيقول : ماذا أراد الله بهذا مثلا [ البقره : 26 ] وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها : قلب يفتتن به كفرا وجحودا وقلب يزداد به إيمانا وتصديقا وقلب يتيقنه فتقوم عليه به الحجة وقلب يوجب له حيرة وعمى فلا يدري ما يراد به واليقين وعدم الريب في هذا الموضع إن رجعا إلى شيء واحد كان ذكر عدم الريب مقررا لليقين ومؤكدا له ونافيا عنه ما يضاده بوجه من الوجوه وإن رجعا إلى شيئين بأن يكون اليقين راجعا إلى الخبر المذكور عن عدة الملائكة وعدم الريب عائدا إلى عموم ما أخبر الرسول به لدلالة هذا الخبر الذي لا يعلم إلا من جهة الرسل على صدقه فلا يرتاب من قد عرف صحة هذا الخبر بعد صدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ظهرت فائدة ذكره والمقصود : ذكر مرض القلب وحقيقته وقال تعالى : يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين [ يونس : 57 ] فهو شفاء لما في الصدور من مرض الجهل والغى فإ ن الجهل مرض شفاؤه العلم والهدى والغي مرض شفاؤه الرشد وقد نزه الله سبحانه نبيه عن هذين الداءين فقال : والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى [ النجم : 1 ] ووصف رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم خلفاءه بضدهما فقال : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وجعل كلامه سبحانه موعظة للناس عامة وهدى ورحمة لمن آمن به خاصة وشفاء تاما لما في الصدور فمن استشفى به صح وبرىء من مرضه ومن لم يستشف به فهو كما قيل : إذا بل من داء به ظن أنه % نجا وبه الداء الذي هو قاتله
وقال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنن ولا يزيد الظالمين إلا خسارا [ الإسراء : 82 ] والأظهر أن من ههنا لبيان الجنس فالقرآن جميعه شفاء ورحمة للمؤمنين
فصل في أسباب ومشخصات مرض البدن والقلب

ولما كان مرض البدن خلاف صحته وصلاحه وهو خروجه عن اعتداله الطبيعي لفساد يعرض له يفسد به إدراكه وحركته الطبيعية فإما أن يذهب إدراكه بالكلية كالعمى والصمم والشلل وإما أن ينقص إداركه لضعف في آلات الإدراك مع استقامة إدراكه وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه كما يدرك الحلو مرا والخبيث طيبا والطيب خبيثا
وأما فساد حركته الطبيعية فمثل أن تضعف قوته الهاضمة أو الماسكة أو الدافعة أو الجاذبة فيحصل له من الألم بحسب خروجه عن الاعتدال ولكن مع ذلك لم يصل إلى حد الموت والهلاك بل فيه نوع قوة على الإدراك والحركة
وسبب هذا الخروج عن الاعتدال : إما فساد في الكمية أو في الكيفية
فالأول : إما لنقص في المادة فيحتاج إلى زيادتها وإما لزيادة فيها فيحتاج إلى نقصانها
والثاني : إما بزيادة الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة أو نقصانها عن القدر الطبيعي فيداوي بمقتضى ذلك ومدار الصحة على حفظ القوة والحمية عن المؤذى واستفراغ المواد الفاسدة ونظر الطبيب دائر على هذه الأصول الثلاثة وقد تضمنها الكتاب العزيز وأرشد إليها من أنزله شفاء ورحمة فأما حفظ القوة : فإنه سبحانه أمر المسافر والمريض أن يفطرا في رمضان ويقضي المسافر إذا قدم والمريض إذا برىء حفظا لقوتهما عليهما فإن الصوم يزيد المريض ضعفا والمسافر يحتاج إلى توفير قوته عليه لمشقة السفر والصوم يضعفها وأما الحمية عن المؤذي : فإنه سبحانه حمى المريض عن استعمال الماء البارد في الوضوء والغسل إذا كان يضره وأمره بالعدول إلى التيمم حمية له عن ورود المؤذي عليه من ظاهر بدنه فكيف بالمؤذي له في باطنه
وأما استفراغ المادة الفاسدة : فإنه سبحانه أباح للمحرم الذي به أذى من رأسه أن يحلقه فيستفرغ بالحلق الأبخرة المؤذية له وهذا من أسهل أنواع الاستفراغ وأخفها فنبه به على ما هو أحوج إليه منه
وذاكرت مرة بعض رؤساء الطب بمصر بهذا فقال : والله لو سافرت إلى الغرب في معرفة هذه الفائدة لكان سفرا قليلا أو كما قال
وإذا عرف هذا فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته وهو الإيمان وأوراد الطاعات وإلى حمية عن المؤذي الضار وذلك باجتناب الا ثام والمعاصي وأنواع المخالفات وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له وذلك بالتوبة النصوح واستغفار غافر الخطيئات ومرضه هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره للحق وإرادته له فلا يرى الحق حقا أو يراه على خلاف ما هو عليه أو ينقص إدراكه له وتفسد به إرادته له فيبغض الحق النافع أو يحب الباطل الضار أو يجتمعان له وهو الغالب ولهذا يفسر المرض الذي يعرض له تارة بالشك والريب كما قال مجاهد وقتادة في قوله تعالى في قلوبهم مرض [ البقره : 10 ] أي شك وتارة بشهوة الزنا كما فسر به قوله تعالى : فيطمع الذي في قلبه مرض [ ] فالأول مرض الشبهة والثاني مرض الشهوة
والصحة تحفظ بالمثل والشبه والمرض يدفع بالضد والخلاف وهو يقوى بمثل سببه ويزول بضده والصحة تحفظ بمثل سببها وتضعف أو تزول بضده ولما كان البدن المريض يؤذيه ما لا يؤذي الصحيح : من يسير الحر والبرد والحركة ونحو ذلك فكذلك القلب إذا كان فيه مرض ا ذاه أدنى شيء : من الشبهة أو الشهوة حيث لا يقوى على دفعهما إذا وردا عليه والقلب الصحيح القوي يطرقه أضعاف ذلك وهو يدفعه بقوته وصحته
وبالجملة فإذا حصل للمريض مثل سبب مرضه زاد مرضه وضعفت قوته وترامى إلى التلف ما لم يتدارك ذلك بأن يحصل له ما يقوى قوته ويزيل مرضه
الباب الثالث في انقسام أدوية أمراض القلب إلى قسمين : طبيعية وشرعية
مرض القلب نوعان : نوع لا يتألم به صاحبه في الحال : وهو النوع المتقدم كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات وهذا النوع هو أعظم النوعين ألما ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له وهو متوار عنه باشتغاله بضده وهذا أخطر المرضين وأصعبهما وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم فهم أطباء هذا المرض
والنوع الثاني : مرض مؤلم له في الحال كالهم والغم والغيظ وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما يدفع موجبها مع قيامها وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيرا بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه أمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الايمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء ولهذا يقال شفى غيظه فإذا استولى عليه عدوه آلمه ذلك فإذا انتصف منه اشتفى قلبه قال تعالى : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء [ التوبه : 14 ] فأمر بقتال عدوهم وأعلمهم أن فيه ست فوائد
فالغيظ يؤلم القلب ودواؤه في شفاء غيظه فإن شفاه بحق اشتفى وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضا من حيث ظن أنه يشفيه وهو كمن شفى مرض العشق بالفجور بالمعشوق فإن ذلك يزيد مرضه ويوجب له أمراضا أخر أصعب من مرض العشق كما سيأتى إن شاء الله تعالى وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها : من الفرح والسرور فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرىء من مرضه وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل وأعقب أمراضا هي أصعب وأخطر
وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضا إلى مرضه لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبرئه قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل فهلك المستفتي بفتواهم : قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال فجعل الجهل مرضا وشفاءه سؤال أهل العلم
وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين : ثلج صدره وحصل له برد اليقين وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده وينشرح بالهدى والعلم قال تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء [ الأنعام : 125 ]
وسيأتي ذكر مرض ضيق الصدر وسببه وعلاجه إن شاء الله تعالى والمقصود : أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية ومنها مالا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية والقلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن
الباب الرابع في أن حياة القلب وإشراقه مادة كل خير فيه وموته وظلمته
مادة كل شر فيه
أصل كل خير وسعادة للعبد بل لكل حي ناطق : كمال حياته ونوره فالحياة
والنور مادة الخير كله قال الله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [ الأنعام : 122 ] فجمع بين الأصلين : الحياة والنور فبالحياة تكون قوته وسمعه وبصره وحياؤه وعفته وشجاعته وصبره وسائر أخلاقه الفاضلة ومحبته للحسن وبغضه للقبيح فكلما قويت حياته قويت فيه هذه الصفات وإذا ضعفت حياته ضعفت فيه هذه الصفات وحياؤه من القبائح هو بحسب حياته في نفسه فالقلب الصحيح الحى إذا عرضت عليه القبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها بخلاف القلب الميت فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر وكذلك القلب المريض بالشهوة فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه
وكذلك إذا قوى نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه فاستبان حسن الحسن بنوره وآثره بحياته وكذلك قبح القبيح وقد ذكر سبحانه وتعالى هذين الأصلين في مواضع من كتابه فقال تعالى : وكذلك أو حينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ الشورى : 52 ] فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم متضمن للأمرين فهو روح تحيا به القلوب ونور تستضىء وتشرق به كما قال تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [ الأنعام : 122 ] أي أومن كان كافرا ميت القلب مغمورا في ظلمة الجهل : فهديناه لرشده ووفقناه للإيمان وجعلنا قلبه حيا بعد موته مشرقا مستنيرا بعد ظلمته فجعل الكافر لانصرافه عن طاعته وجهله بمعرفته وتوحيده وشرائع دينه وترك الأخذ بنصيبه من رضاه والعمل بما يؤديه إلى نجاته وسعادته : بمنزلة الميت الذي لا ينفع نفسه بنافعة ولا يدفع عنها من مكروه فهديناه للإسلام وأنعشناه به فصار يعرف مضار نفسه ومنافعها ويعمل في خلاصها من سخط الله تعالى وعقابه فأبصر الحق بعد عماه عنه وعرفه بعد جهله به واتبعه بعد إعراضه عنه وحصل له نور وضياء يستضىء به فيمشي بنوره بين الناس وهم في سدف الظلام كما قيل :
ليلى بوجهك مشرق % وظلامه في الناس ساري
الناس في سدف الظلام % ونحن في ضوء النهار
ولهذا يضرب الله سبحانه وتعالى المثلين المائي والنارى لوحيه ولعباده أما الأول فكما قال في سورة الرعد : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حليه أو متاع زبد مثله كذكلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثالفضرب لوحيه المثل بالماء لما يحصل به من الحياة وبالنار لما يحصل بها من الاضاءة والإشراق وأخبر سبحانه أن الأودية تسيل بقدرها فواد كبير يسع ماء كثيرا وواد صغير يسع ماء قليلا كذلك القلوب مشبهة بالأودية فقلب كبير يسع علما كثيرا وقلب صغير إنما يسع بقدره وشبه ما تحمله القلوب من الشبهات والشهوات بسبب مخالطة الوحي لها وإمازته لما فيها من ذلك بما يحتمله السيل من الزبد وشبه بطلان تلك الشبهات باستقرار العلم النافع فيها بذهاب ذلك الزبد وإلقاء الوادى له وإنما يستقر فيه الماء الذي به النفع وكذلك في المثل الذي بعده : يذهب الخبث الذي في ذلك الجوهر ويستقر صفوه وأما ضرب هذين المثلين للعباد فكما قال في سورة البقرة : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمى فهم لا يرجعون 2 فهذا المثل الناري ثم قال : أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت 1 فهذا المثل المائي
وقد ذكرنا الكلام على أسرار هذين المثلين وبعض ما تضمناه من الحكم في كتاب المعالم وغيره
والمقصود : أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين قال تعالى إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيزا 2 فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب كما قال في موضع آخر إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب 3 وقال تعالى يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم 4 فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك
وشبه سبحانه من لا يستجيب لرسوله بأصحاب القبور وهذا من أحسن التشبيه فإن أبدانهم قبور لقلوبهم فقد ماتت قلوبهم وقبرت في أبدانهم فقال الله تعالى إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 5 ولقد أحسن القائل : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله % وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم % وليس لهم حتى النشور نشور ولهذا جعل سبحانه وحيه الذي يلقيه إلى الأنبياء روحا كما قال تعالى : يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده 1 في موضعين من كتابه وقال : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا 2 لأن حياة الأرواح والقلوب به وهذه الحياة الطيبة هي التي خص بها سبحانه من قبل وحيه وعمل به فقال : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون 3 فخصهم سبحانه وتعالى بالحياة الطيبة في الدارين ومثله قوله تعالى : وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله 4 ومثله قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير وزيادة ولنعم دار المتقين 5 ومثله قوله تعالى للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة فبين سبحانه أنه يسعد المحسن بإحسانه في الدنيا وفي الآخرة كما أخبر أنه يشقى المسيء بإساءته في الدنيا والآخرة قال تعالى : ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى 6 وقال تعالى وقد جمع بين النوعين : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأ نما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون 7
فأهل الهدى والإيمان لهم شرح الصدر واتساعه وانفساحه وأهل الضلال لهم ضيق الصدر والحرج
وقال تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه 8
فأهل الإيمان في النور وانشراح الصدر وأهل الضلال في الظلمة وضيق الصدر
وسيأتي في باب طهارة القلب مزيد تقرير لهذا إن شاء تعالى
والمقصود : أن حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه وموته وظلمته مادة كل شر فيهالباب الخامس في أن حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركا
للحق مريدا له مؤثرا له على غيره
لما كان في القلب قوتان : قوة العلم والتمييز وقوة الإرادة والحب كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل فمن لم يعرف الحق فهو ضال ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه
وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ولهذا كان النصاري أخص بالضلال لأنهم أمة جهل واليهود أخص بالغضب لأنهم أمة عناد وهذه الأمة هم المنعم عليهم ولهذا قال سفيان ابن عيينة من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصاري ومن فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود لأن النصاري عبدوا بغير علم واليهود عرفوا الحق وعدلوا عنه
وفي المسند والترمذي من حديث عدي بن حاتم عن النبيقال : اليهود مغضوب عليهم والنصاري ضالون
وقد جمع الله سبحانه بين الأصلين في غير موضع من كتابه فمنها قوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون 1 فجمع سبحانه بين الاستجابة له والإيمان به ومنها قوله عن رسوله فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون 2 وقال تعالى : الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 3 وقال الله تعالى في وسط السورة : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيعين وآتي المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة إلى آخر الآية 4 وقال تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر 5
فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة على أن كل واحد في خسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله وقوته العملية بالعمل بطاعته فهذا كماله في نفسه ثم كمل غيره بوصيته له بذلك وأمره إياه به وبملاك ذلك وهو الصبر فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك ووصيته له بالصبر عليه ولهذا قال الشافعي رحمه الله لو فكر الناس في سورة : والعصر لكفتهم
وهذا المعنى في القرآن في مواضع كثيرة : يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق واتبعوه وأن أهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه أو علموه وخالفوه واتبعوا غيره
وينبغي أن تعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به وإلا استعملها في ضده فالإنسان حارث همام بالطبع كما قال النبي أصدق الأسماء : حارث وهمام
فالحارث الكاسب العامل والهمام المريد فإن النفس متحركة بالإرادة وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها والإرادة تستلزم مرادا يكون متصورا لها متميزا عندها فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته وأرادته ولابد وهذا يتبين بالباب الذي بعده فنقول : الباب السادس في أنه لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح
إلا بأن يكون الله هو إلهه وفاطره وحده وهو معبوده وغاية مطلوبه وأحب إليه من كل ما سواه
معلوم أن كل حي سوى الله سبحانه : من ملك أو إنس أو جن أو حيوان فهو فقير إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره ولا يتم ذلك إلا بتصوره للنافع والضار والمنفعة من جنس النعيم واللذة والمضرة من جنس الألم والعذاب
فلابد له من أمرين : أحدهما معرفة ما هو المحبوب المطلوب الذي ينتفع به ويلتذ بإدراكه والثاني : معرفة المعين الموصل المحصعل لذلك المقصود وبإزاء ذلك أمران آخران أحدهما : مكروه بغيض ضار والثاني : معين دافع له عنه فهذه أربعة أشياء :
أحدهما : أمر هو محبوب مطلوب الوجود الثاني : أمر مكروه مطلوب العدم الثالث : الوسيلة إلى حصول المطلوب المحبوب الرابع : الوسيلة إلى دفع المكروه فهذه الأمور الأربعة ضرورية للعبد بل ولكل حيوان لا يقوم وجوده وصلاحه إلا بها
فإذا تقرر ذلك فالله تعالى هو الذي يجب أن يكون هو المقصود المدعو المطلوب الذي يراد وجهه ويبتغى قربه ويطلب رضاه وهو المعين على حصول ذلك وعبودية ما سواه والالتفات إليه والتعلق به : هو المكروه الضار والله هو المعين على دفعه فهو سبحانه الجامع لهذه الأمور الأربعة دون ما سواه فهو المعبود المحبوب المراد وهو المعين لعبده على وصوله إليه وعبادته له والمكروه البغيض إنما يكون بمشيئته وقدرته وهو المعين لعبده على دفعه عنه كما قال أعرف الخلق به : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك وقال : اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك فمنه المنجي وإليه الملجأ وبه الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته فالإعاذة فعله والمستعاذ منه فعله أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته
فالأمر كله له والحمد كله له والملك كله له والخير كله في يديه لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثني على نفسه وفوق ما يثني عليه كل أحد من خلقه ولهذا كان صلاح العبد وسعادته في تحقيق معنى قوله : إياك نعبد وإياك نستعين [ الفاتحه : 4 ] فإن العبودية تتضمن المقصود المطلوب لكن على أكمل الوجوه والمستعان هو الذي يستعان به على المطلوب فالأول : من معنى ألوهيته والثاني : من معنى ربوبيته فإن الإله هو الذي تألهه القلوب : محبة وإنابة وإجلالا وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا والرب هو الذي يربى عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إلى مصالحه فلا إله إلا هو ولا رب إلا هو فكما أن ربوبية ما سواه أبطل الباطل فكذلك إلهية ما سواه
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله : فاعبده وتوكل عليه [ هود : 123 ] وقوله عن نبيه شعيب : وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب [ هود : 88 ] وقوله : وتوكل على الحىالذي لا يموت وسبح بحمده [ الفرقان : 58 ] وقوله : وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [ المزمل : 8 ] وقوله : قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب [ الرعد : 30 ] وقوله عن الحنفاء أتباع إبراهيم عليه السلام : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [ الممتحنة : 4 ] فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعنيى التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما ألبتة
الوجه الثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والانابة إليه ومحبته والاخلاص له فبذكره تطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ويتم نعيمهم فلا يعطيهم في الآخرة شيئا هو أحب إليهم ولا أقر لعيونهم ولا أنعم لقلوبهم : من النظر اليه وسماع كلامه منه بلا واسطة ولم يعطهم في الدنيا شيئا خيرا لهم ولا أحب إليهم ولا أقر لعيونهم من الإيمان به ومحبته والشوق إلى لقائه والأنس بقربه والتنعم بذكره وقد جمع النبي بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد وابن حبان في صحيحه وغيرهم من حديث عمار بن ياسر : أن رسول الله كان يدعو به : اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى وأسلك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لاتنقطع وأسألك الرضى بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين
فجمع في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شىء في الدنيا وهو الشوق إلى لقائه سبحانه وأطيب شىء في الآخرة وهو النظر إلى وجهه سبحانه ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم ما يضر في الدنيا ويفتن في الدين قال : في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة
ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبعا له معلما لغيره مرشدا له قال : واجعلنا هداة مهتدين
ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لاقبله فإن ذلك عزم على الرضى فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم سأل الرضى بعده فإن المقدور يكتنفه أمران : الاستخارة قبل وقوعه والرضى بعد وقوعه فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما كما في المسند وغيره عنهإن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه قضى الله وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله وسخطه بما قضى الله تعالى
ولما كانت خشية الله عز وجل رأس كل خير في المشهد والمغيب سأله خشيته في الغيب والشهادة
ولما كان أكثر الناس إنما يتكلم بالحق في رضاه فإذا غضب أخرجه غضبه إلى الباطل وقد يدخله أيضا رضاه في الباطل سأل الله عز وجل أن يوفقه لكلمة الحق في الغضب والرضى ولهذا قال بعض السلف : لا تكن ممن إذا رضي أدخله رضاه في الباطل وإذا غضب أخرجه غضبه من الحق
ولما كان الفقر والغنى بليتين ومحنتين يبتلي الله بهما عبده ففي الغنى يبسط يده وفي الفقر يقبضها سأل الله عز وجل القصد في الحالتين وهو التوسط الذي ليس معه إسراف ولا تقتير
ولما كان النعيم نوعين : نوعا للبدن ونوعا للقلب وهو قرة العين وكماله بدوامه واستمراره جمع بينهما في قوله : أسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ولما كانت الزينة زينتين : زينة البدن وزينة القلب وكانت زينة القلب أعظمهما قدرا وأجلهما خطرا وإذا حصلت زينة البدن على أكمل الوجوه في العقبى سأل ربه الزينة الباطنة فقال زينا بزينة الإيمان
ولما كان العيش في هذه الدار لا يبرد لأحد كائنا من كان بل هو محشو بالغصص والنكد ومحفوف بالآلام الباطنة والظاهرة سأل برد العيش بعد الموت
والمقصود : أنه جمع في هذا الدعاء بين أطيب ما في الدنيا وأطيب ما في الآخرة فإن حاجة العباد إلى ربهم في عبادتهم إياه وتأليههم له كحاجتهم إليه في خلقه لهم ورزقه إياهمومعافاة أبدانهم وستر عوراتهم وتأمين روعاتهم بل حاجتهم إلى تأليهه ومحبته وعبوديته أعظم فإن ذلك هو الغاية المقصودة لهم ولا صلاح لهم ولا نعيم ولا فلاح ولا لذة ولا سعادة بدون ذلك بحال ولهذا كانت لا اله إلا الله أحسن الحسنات وكان توحيد الإلهية رأس الأمر وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده بل هو الحجة عليهم كما بين ذلك سبحانه في كتابه الكريم في عدة مواضع ولهذا كان حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبيقال : أتدري ما حق الله على عباده قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك قلت : الله ورسوله أعلم قال : حقهم عليه أن لا يعذبهم بالنار ولذلك يحب سبحانه عباده المؤمنين الموحدين ويفرح بتوبتهم كما أن في ذلك أعظم لذة فليس في الكائنات شيء غير الله عز وجل يسكن القلب إليه ويطمئن به ويأنس به ويتنعم بالتوجه إليه ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ وكما أن السموات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [ الأنبياء : 22 ] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه الوجه الثالث : أن فقر العبد إلى أن يعبد الله سبحانه وحده لا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الغذاء والشراب والنفس فيقاس بها لكن بينهما فروق كثيرة فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ولا صلاح له إلا بالهه الحق الذي لا إله إلا هو فلا يطمئن إلا بذكره ولا يسكن إلا بمعرفته وحبه وهو كادح إليه كدحا فملاقيه ولا بد له من لقائه ولا صلاح له إلا بتوحيد محبته وعبادته وخوفه ورجائه ولو حصل له من اللذات والسرور بغيره ما حصل فلا يدوم له ذلك بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في حال وبهذا في حال وكثيرا ما يكون ذلك الذي يتنعم به هو أعظم أسباب ألمه ومضرته وأما إلهه الحق فلا بد له منه في كل وقت وفي كل حال وأينما كان فنفس الإيمان به ومحبته وعبادته وإجلاله وذكره هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان ودلت عليه السنة والقرآن وشهدت به الفطرة والجنان لا كما يقوله من قل نصيبه من التحقيق والعرفان وبخس حظه من الإحسان : إن عبادته وذكره وشكره تكليف ومشقة لمجرد الابتلاء والامتحان أو لأجل مجرد التعويض بالثواب المنفصل كالمعاوضة بالأثمان أو لمجرد رياضة النفس وتهذيبها ليرتفع عن درجة البهيم من الحيوان كما هي مقالات من بخس حظه من معرفة الرحمن وقل نصيبه من ذوق حقائق الإيمان وفرح بما عنده من زبد الأفكار وزبالة الأذهان بل عبادته ومعرفته وتوحيده وشكره قرة عين الإنسان وأفضل لذة للروح والقلب والجنان وأطيب نعيم ناله من كان أهلا لهذا الشان والله المستعان وعليه التكلان
وليس المقصود بالعبادات والأوامر المشقة والكلفة بالقصد الأول وإن وقع ذلك ضمنا وتبعا في بعضها لأسباب اقتضته لابد منها هي من لوازم هذه النشأة
فأوامراه سبحانه وحقه الذي أوجبه على عباده وشرائعه التي شرعها لهم هي قرة العيون ولذة القلوب ونعيم الأرواح وسرورها وبها شفاؤها وسعادتها وفلاحها وكمالها في معاشها ومعادها بل لا سرور لها ولا فرح ولا لذة ولا نعيم في الحقيقة إلا بذلك كما قال تعالى : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون [ يونس : 57 ] قال أبو سعيد الخدري : فضل الله : القرآن ورحمته : أن جعلكم من أهله وقال هلال بن يساف : بالإسلام الذي هداكم إليه وبالقرآن الذي علمكم إياه هو خير مما تجمعون : من الذهب والفضة وكذلك قال : ابن عباس والحسن وقتادة : فضله : الإسلام ورحمته : القرآن وقالت طائفة من السلف : فضله القرآن ورحمته الإسلام
والتحقيق : أن كلا منهما فيه الوصفان الفضل والرحمة وهما الأمران اللذان امتن الله بهما على رسوله عليه الصلاة والسلام فقال : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان [ الشورى : 52 ] والله سبحانه إنما رفع من رفع بالكتاب والإيمان ووضع من وضع بعدمها
فإن قيل : فقد وقع تسمية ذلك تكليفا في القرآن كقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ البقره : 286 ] وقوله : لا نكلف نفسا إلا وسعها [ الأنعام : 152 ]
قيل : نعم إنما جاء ذلك في جانب النفي ولم يسم سبحانه أوامره ووصاياه وشرائعه تكليفا قط بل سماها روحا ونورا وشفاء وهدى ورحمة وحياة وعهدا ووصية ونحو ذلك
الوجه الرابع : أن أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب عز وجل وسماع خطابه كما في صحيح مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وفي حديث آخر : فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه فبين عليه الصلاة والسلام أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة ولهذا قال سبحانه وتعالى في حق الكفار : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم [ المطففين : 15 ] فجمع عليهم نوعي العذاب : عذاب النار وعذاب الحجاب عنه سبحانه كما جمع لأوليائه نوعي النعيم : نعيم التمتع بما في الجنة ونعيم التمتع برؤيته وذكر سبحانه هذه الأنواع الأربعة في هذه السورة فقال في حق الأبرار : إن الأبرار لفي نعيم على الارائك ينظرون [ المطففين : 23 ] ولقد هضم معنى الآية من قال : ينظرون إلى أعدائهم يعذبون أو ينظرون إلى قصورهم وبساتينهم أو ينظر بعضهم إلى بعض وكل هذا عدول عن المقصود إلى غيره وإنما المعنى ينظرون إلى وجه ربهم ضد حال الكفار الذين هم عن ربهم لمحجوبون : ثم إنهم لصالوا الجحيم [ المطففين : 32 ] وتأمل كيف قابل سبحانه ما قاله الكفار في أعدائهم في الدنيا وسخروا به منهم بضده في القيامة فإن الكفار كانوا إذا مر بهم المؤمنون يتغامزون ويضحكون منهم و إذا رأوهم قالوا إن هؤلآء لضالون [ المطففين : 32 ] فقال تعالى : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون [ المطففين : 34 ] مقابلة لتغامزهم وضحكهم منهم ثم قال : على الأرائك ينظرون [ المطففين : 23 ] فأطلق النظر ولم يقيده بمنظور دون منظور وأعلى ما نظروا إليه وأجله وأعظمه هو الله سبحانه والنظر إليه أجل أنواع النظر وأفضلها وهو أعلى مراتب الهداية فقابل بذلك قولهم إن هؤلاء لضالون فالنظر إلى الرب سبحانه مراد من هذين الموضعين ولا بد إما بخصوصه وإما بالعموم والإطلاق ومن تأمل السياق لم يجد الآيتين تحتملان غير إرادة ذلك خصوصا أو عموما
فصل في أن لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته
ومحبته في الدنيا وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم
الوجه الخامس أن المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل بل الله وحده هو الذي يملك له ذلك كله قال الله تعالى ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم وقال تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وقال تعالى إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده الآية وقال تعالى عن صاحب يس أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفاعتهم شيئا ولا ينقذون وقال تعالى يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون وقال تعالى أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجو في عتو ونفور فجمع سبحانه بين النصر والرزق فإن العبد مضطر إلى من يدفع عنه عدوه بنصره ويجلب له منافعه برزقه فلا بد له من ناصر ورازق والله وحده هو الذي ينصر ويرزق فهو الرزاق ذو القوة المتين ومن كمال فطنة العبد ومعرفته أن يعلم أنه إذا مسه الله بسوء لم يرفعه عنه غيره وإذا ناله بنعمة لم يرزقه إياها سواه ويذكر أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه أدرك لي لطيف الفطنة وخفي اللطف فإني أحب ذلك قال : يا رب وما لطيف الفطنة قال : إن وقعت عليك ذبابة فاعلم أني أنا أوقعتها فاسألني أرفعها قال : وما خفي اللطف قال : إذا أتتك حبة فاعلم أني أنا ذكرتك بها وقد قال تعالى عن السحرة : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله [ البقره : 102 ] فهو سبحانه وحده الذي يكفي عبده وينصره ويرزقه ويكلؤه
قال الإمام أحمد : حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر قال : سمعت وهبا يقول : قال الله تعالى في بعض كتبه : بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإني أجعل له من ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه كفى لعبدي ملآي إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني وأستجيب له قبل أن يدعوني فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه قال أحمد : وحدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت له : حدثني حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز قال : نعم أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود : يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك وهذا الوجه أظهر للعامة من الذي قبله ولهذا خوطبوا به في القرآن أكثر من الأول ومنه دعت الرسل إلى الوجه الأول وإذا تدبر اللبيب القرآن وجد الله سبحانه يدعو عباده بهذا الوجه إلى الوجه الأول وهذا الوجه يقتضي التوكل على الله تعالى والاستعانة به ودعاءه ومسألته دون ما سواه ويقتضي أيضا : محبته وعبادته لإحسانه إلى عبده وإسباغ نعمه عليه فإذا أحبوه وعبدوه وتوكلوا عليه من هذا الوجه دخلوا منه إلى الوجه الأول
ونظير ذلك : من ينزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق فجعل يدعو الله سبحانه ويتضرع إليه حتى فتح له من لذيذ مناجاته وعظيم الإيمان به والإنابة إليه ما هو أحب إليه من تلك الحاجة التي قصدها أولا ولكنه لم يكن يعرف ذلك أولا حتى يطلبه ويشتاق إليه وفي نحو ذلك قال القائل :
جزى الله يوم الروع خيرا % فإنه أرانا على علاته أم ثابت
أرانا مصونات الحجال ولم نكن % نراهن إلا عند نعت النواعت
الوجه السادس : أن تعلق العبد بما سوى الله تعالى مضرة عليه إذا أخذ منه فوق القدر الزائد على حاجته غير مستعين به على طاعته فإذا نال من الطعام والشراب والنكاح واللباس فوق حاجته ضره ذلك ولو أحب سوى الله ما أحب فلا بد أن يسلبه ويفارقه فإن أحبه لغير الله فلابد أن تضره محبته ويعذب بمحبوبه إما في الدنيا وإما في الآخرة والغالب أنه يعذب به في الدارين قال تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون [ التوبه : 34 ] وقال تعالى : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [ التوبه : 55 ] ولم يصب من قال : إن الآية على التقديم والتأخير كالجرجاني حيث قال : ينتظم قوله في الحياة الدنيا بعد فصل آخر ليس بموضعه على تأويل فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وهذا القول يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو منقطع واختاره قتادة وجماعة وكأنهم لما أشكل عليهم وجه تعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا وأن سرورهم ولذتهم ونعيمهم بذلك فروا إلى التقديم والتأخير
وأما الذين رأوا أن الآية على وجهها ونظمها فاختلفوا في هذا التعذيب فقال الحسن البصري : يعذبهم بأخذ الزكاة منها والإنفاق في الجهاد واختاره ابن جرير وأوضحه فقال : العذاب بها إلزامهم بما أوجب الله عليهم فيها من حقوقه وفرائضه إذ كان يؤخذ منه ذلك وهو غير طيب النفس ولا راج من الله جزاء ولا من الآخذ منه حمدا ولا شكرا بل على صغار منه وكره
وهذا أيضا عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها وذهاب عن مقصود الآية
وقالت طائفة : تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم لغنيمة أموالهم وسبي أولادهم فإن هذا حكم الكافر وهم في الباطن كذلك وهذا أيضا من جنس ما قبله فإن الله سبحانه أقر المنافقين وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر وتولى سرائرهم فلو كان المراد ما ذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه : من غنيمة أموالهم وسبى أولادهم فإن الإرادة ههنا كونية بمعنى المشيئة وما شاء الله كان ولابد وما لم يشأ لم يكن
والصواب والله أعلم أن يقال : تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة : بالحرص على تحصيلها والتعب العظيم في جمعها ومقاساة أنواع المشاق في ذلك فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه وهو حريص بجهده على تحصيلها والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب كقوله السفر قطعة من العذاب وقوله : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه أي يتألم ويتوجع لا أنه يعاقب بأعمالهم وهكذا من الدنيا كل همه أو أكبر همه كما قالفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه : من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له
ومن أبلغ العذاب في الدنيا : تشتيت الشمل وتفريق القلب وكون الفقر نصب عيني العبد لا يفارقه ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب على أن أكثرهملا يزال يشكو ويصرخ منه وفي الترمذي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيقال : يقول الله تبارك وتعالى : ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك وهذا أيضا من أنواع العذاب وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه ومقاساة معاداتهم كما قال بعض السلف : من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث : هم لازم وتعب دائم وحسرة لا تنقضي وذلك أن محبها لا ينال منها شيئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا وقد مثل عيسى بن مريم عليه السلام : محب الدنيا بشارب الخمر كلما ازداد شربا ازداد عطشا
وذكر ابن أبي الدنيا أن الحسن البصري كتب الى عمر بن عبدالعزيز أما بعد : فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغنى فيها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الخيالة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها وختلت بآمالها وتشوفت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلوة فالعيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة وهي لأزواجها كلهم قاتلة فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسى المعاد فشغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه فعظمت عليها ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت وعاشق لم ينل منها بغيته فعاش بغصته وذهب بكمده ولم يدرك منها ما طلب ولم تسترح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء سرورها مشوب بالحزن أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر فمالها عند الله قدر ولا وزن ولا نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصها عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها كره أن يحب ما أبغض خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختيارا وبسطها لاعدائه اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله حين شد الحجر على بطنه وقال الحسن أيضا : إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها وهذا باب واسع وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها ولما كانت هي أكبر هم من لا يؤمن بالآخرة ولا يرجو لقاء ربه كان عذابه بها بحسب حرصه عليها وشدة اجتهاده في طلبها وإذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق فان في حب معشوقه وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه ولا يفي له ويهجره ويصل عدوه فهو مع معشوقه في أنكد عيش يختار الموت دونه فمعشوقه قليل الوفاء كثير الجفاء كثير الشركاء سريع الاستحالة عظيم الخيانة كثير التلون لا يأمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تريحه ولا وصال يدوم له فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به التي شغلته عن سعيه في طلب زاده ومصالح معاده
وسنعود إلى تمام الكلام في هذا الباب في باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى إذ المقصود بيان أن من أحب شيئا سوى الله تعالى ولم تكن محبته له لله تعالى ولا لكونه معينا له على طاعة الله تعالى : عذب به في الدنيا قبل يوم القيامة كما قيل :
أنت القتيل بكل من أحببته % فاختر لنفسك في الهوى من تصطفى
فإذا كان يوم المعاد ولى الحكم العدل سبحانه كل محب ما كان يحبه في الدنيا فكان معه : إما منعما أو معذبا ولهذا يمثل لصاحب المال ماله شجاعا أقرع يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه يقول : أنا مالك أنا كنزك ويصفح له صفائح من نار يكوى بها جبينه وجنبه وظهره وكذلك عاشق الصور إذا اجتمع هو ومعشوقه على غير طاعة الله تعالى جمع الله بينهما في النار وعذب كل منهما بصاحبه قال تعالى : الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين [ الزخرف : 67 ] وأخبر سبحانه أن الذين توادوا في الدنيا على الشرك يكفر بعضهم ببعض يوم القيامة ويلعن بعضهم بعضا ومأواهم النار وما لهم من ناصرين
فالمحب مع محبوبه دنيا وأخرى ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة للخلق : أليس عدلا مني أن أولي كل رجل منكم ما كان يتولى في دار الدنيا وقال المرء مع من أحب وقال الله تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا [ الفرقان : 29 ] وقال تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزاواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهذوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون مالكم لا تناصرون [ الصافات : 22 ] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أزواجهم : أشباههم ونظراؤهم وقال تعالى : وإذا النفوس زوعجت [ التكوير : 7 ] فقرن كل شكل إلى شكله وجعل معه قرينا وزوجا : البر مع البر والفاجر مع الفاجر
والمقصود : أن من أحب شيئا سوى الله عز وجل فالضرر حاصل له بمحبوبه : إن وجد وإن فقد فإنه إن فقده عذب بفواته وتألم على قدر تعلق قلبه به وإن وجده كان ما يحصلله من الألم قبل حصوله ومن النكد في حال حصوله ومن الحسرة عليه بعد فوته : أضعاف أضعاف ما في حصوله له من اللذة :
فما في الأرض أشقى من محب % وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كل حال % مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم % ويبكي إن دنوا حذر الفراق
فتسخن عينه عند التلاقي % وتسخن عينه عند الفراق
وهذا أمر معلوم بالاستقراء والاعتبار والتجارب ولهذا قال النبيفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره : الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه فذكره : جميع أنواع طاعته فكل من كان في طاعته فهو ذاكر له وإن لم يتحرك لسانه بالذكر وكل من والاه الله فقد أحبه وقربه فاللعنة لا تنال ذلك بوجه وهي نائلة كل ما عداه
الوجه السابع : أن اعتماد العبد على المخلوق وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته هو ولابد عكس ما أمله منه فلابد أن يخذل من الجهة التي قدر أن ينصر منها ويذم من حيث قدر أن يحمد وهذا أيضا كما أنه ثابت بالقرآن والسنة فهو معلوم بالاستقراء والتجارب قال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عززا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [ مريم : 81 ] وقال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون [ يس : 75 ] أي يغضبون لهم ويحاربون كما يغضب الجند ويحارب عن أصحابه وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم وقال تعالى : وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شىء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب [ هود 101 ] أي غير تخسير وقال تعالى : فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين [ الشعراء 213 ] وقال تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا فإن المشرك يرجو بشركه النصر تارة والحمد والثناء تارة فأخبر سبحانه أن مقصوده ينعكس عليه ويحصل له الخذلان والذم والمقصود : أن هذين الوجهين في المخلوق ضدهما في الخالق سبحانه فصلاح القلب
وسعادته وفلاحه في عبادة الله تعالى والاستعانة به وهلاكه وشقاؤه وضرره العاجل والآجل في عبادة المخلوق والاستعانة به
الوجه الثامن : أن الله سبحانه غني كريم عزيز رحيم فهو محسن إلى عبده مع غناه عنه يريد به الخير ويكشف عنه الضر لا لجلب منفعة إليه من العبد ولا لدفع مضرة بل رحمة منه وإحسانا فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليعتز بهم من ذلة ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا ليدفعوا عنه كما قال تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين [ الذاريات : 56 ] وقال تعالى : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا [ الإسراء : 111 ] فهو سبحانه لا يوالى من يواليه من الذل كما يولاى المخلوق المخلوق وإنما يوالي أولياءه إحسانا ورحمة ومحبة لهم وأما العباد فإنهم كما قال تعالى : والله الغني وأنتم الفقراء [ محمد : 38 ] فهم لفقرهم وحاجتهم إنما يحسن بعضهم إلى بعض لحاجته إلى ذلك وانفاعه به عاجلا أو آجلا ولولا تصور ذلك النفع لما أحسن إليه فهو في الحقيقة إنما أراد الإحسان إلى نفسه وجعل إحسانه إلى غيره وسيلة وطريقا إلى وصول نفع ذلك الإحسان إليه فإنه إما أن يحسن إليه لتوقع جزائه في العاجل فهو محتاج إلى ذلك الجزاء أو معاوضة بإحسانه أو لتوقع حمده وشكره وهو أيضا إنما يحسن إليه ليحصل منه ما هو محتاج إليه من الثناء والمدح فهو محسن إلى نفسه بإحسانه إلى الغير وإما أن يريد الجزاء من الله تعالى في الآخرة فهو أيضا محسن إلى نفسه بذلك وإنما أخر جزاءه إلى يوم فقره وفاقته فهو غير ملوم في هذا القصد فإنه فقير محتاج وفقره وحاجته أمر لازم له من لوازم ذاته فكماله أن يحرص على ما ينفعه ولا يعجز عنه وقال تعالى : إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [ الإسراء : 7 ] وقال : وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون [ البقره : 272 ] وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا

فالمخلوق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول بل إنما يقصد انتفاعه بك والرب تعالى إنما يريد نفعك لا انتفاعه به وذلك منفعة محضة لك خالصة من المضرة بخلاف إرادة المخلوق نفعك فإنه قد يكون فيه مضرة عليك ولو بتحمل منته
فتدبر هذا فإن ملاحظته تمنعك أن ترجو المخلوق أو تعامله دون الله عز وجل أو تطلب منه نفعاأو دفعاأو تعلق قلبك به فإنه إنما يريد انتفاعه بك لا محض نفعك وهذا حال الخلق كلهم بعضهم مع بعض وهو حال الولد مع والده والزوج مع زوجه والمملوك مع سيده والشريك مع شريكه فالسعيد من عاملهم لله تعالى لا لهم وأحسن إليهم لله تعالى وخاف الله تعالى فيهم ولم يخفهم مع الله تعالى ورجا الله تعالى بالإحسان إليهم ولم يرجهم مع الله وأحبهم لحب الله ولم يحبهم مع الله تعالى كما قال أولياء الله عز وجل : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا [ الإنسان : 9 ]
الوجه التاسع : أن العبد المخلوق لا يعلم مصلحتك حتى يعرفه الله تعالى إياها ولا يقدر على تحصيلها لك حتى يقدره الله تعالى عليها ولا يريد ذلك حتى يخلق الله فيه إرادة ومشيئة فعاد الأمر كله لمن ابتدأ منه وهو الذي بيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله فتعلق القلب بغيره رجاء وخوفا وتوكلا وعبودية : ضرر محض لا منفعة فيه وما يحصل بذلك من المنفعة فهو سبحانه وحده الذي قدرها ويسرها وأوصلها إليك
الوجه العاشر : أن غالب الخلق إنما يريدون قضاء حاجاتهم منك وإن أضر ذلك بدينك ودنياك فهم إنما غرضهم قضاء حوائجهم ولو بمضرتك والرب تبارك وتعالى إنما يريدك لك ويريد الإحسان إليك لك لا لمنفعته ويريد دفع الضرر عنك فكيف تعلق أملك ورجاءك وخوفك بغيره وجماع هذا أن تعلم : أن الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا كلهم على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله تعالى عليك قال الله تعالى : قلخاتمة لهذا الباب لما كان الإنسان بل وكل حي متحرك بالإرادة لا ينفك عن علم وإرادة وعمل بتلك الإرادة وله مراد مطلوب وطريق وسبب يوصل إليه معين عليه وتارة يكون السبب منه وتارة يكون من خارج منفصل عنه وتارة منه ومن الخارج فصار الحي مجبولا على أن يقصد شيئا ويريده ويستعين بشيء ويعتمد عليه في حصول مراده
والمراد قسمان : أحدهما : ما هو مراد لنفسه والثاني : ما هو مراد لغيره والمستعان قسمان أحدهما ما هو مستعان بنفسه والثاني ما هو تبع له وآلة فهذه أربعة أمور : مراد لنفسه ومراد لغيره ومستعان بنفسه ومستعان بكونه آلهة وتبعا للمستعان بنفسه
فلابد للقلب من مطلوب يطمئن إليه وتنتهي إليه محبته ولابد من شيء يتوصل به ويستعين به في حصول مطلوبه والمستعان مدعو ومسئول والعبادة والاستعانة كثيرا ما يتلازمان فمن اعتمد القلب عليه في رزقه ونصره ونفعه خضع له وذل له وانقاد له وأحبه من هذه الجهة وإن لم يحبه لذاته لكن قد يغلب عليه حكم الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه وأما من أحبه القلب وأراده وقصده فقد لا يستعين به ويستعين بغيره عليه كمن أحب مالا أو منصبا أو امرأة فإن علم أن محبوبه قادر على تحصيل غرضه استعان به فاجتمع له محبته والاستعانة به
فالأقسام أربعة : محبوب لنفسه وذاته مستعان بنفسه فهذا أعلى الأقسام وليس ذلك إلا لله وحده وكل ما سواه فإنما ينبغي أن يحب تبعا لمحبته ويستعان به لكونه آلة وسببا الثاني : محبوب لغيره ومستعان به أيضا كالمحبوب الذي هو قادر على تحصيل غرض محبه الثالث : محبوب مستعان عليه بغيره الرابع : مستعان به غير محبوب في نفسه
فإذا عرف ذلك تبين من أحق هذه الأقسام الأربعة بالعبودية والاستعانة وأن محبة غيره واستعانته به إن لم تكن وسيلة إلى محبته واستعانته وإلا كانت مضرة على العبد ومفسدتها أعظم من مصلحتها والله المستعان وعليه التكلان
لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ التوبه : 51 ] الباب السابع في أن القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه
قال الله عز وجل : يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور [ يونس : 57 ] وقال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقد تقدم أن جماع أمراض القلب هي أمراض الشبهات والشهوات والقرآن شفاء للنوعين ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يبين الحق من الباطل فتزول أمراض الشبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه وليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية : من التوحيد وإثبات الصفات وإثبات المعاد والنبوات ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة مثل القرآن فإنه كفيل بذلك كله متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه كما يرى الليل والنهار وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم : بين علوم لا ثقة بها وإنما هي آراء وتقليد وبين ظنون كاذبة لا تغني عن الحق شيئا وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل وأحسن ما عند المتكلمين وغيرهم فهو في القرآن أصح تقريرا وأحسن تفسيرا فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد كما قيل :
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت % كتب التناظر لا المغني ولا العمد
يحللون بزعم منهم عقدا % وبالذي وضعوه زادت العقد فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه الشبه والشكوك والفاضل الذكي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله تعالى وكلام رسوله ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين الذين أخبر الواقف على نهايات إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم حيث يقول :
نهاية إقدام العقول عقال % وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا % وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا % سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات : الرحمن على العرش استوى [ طه : 5 ] : إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [ فاطر : 10 ] وأقرأ في النفي : ليس كمثله شىء [ الشورى : 11 ] ولا يحيطون به علما [ طه : 110 ] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي
فهذا إنشاده وألفاظه في آخر كتبه وهو أفضل أهل زمانه على الإطلاق في علم الكلام والفلسفة وكلام أمثاله في مثل ذلك كثير جدا قد ذكرناه في كتاب الصواعق وغيره وذكرنا قول بعض العارفين بكلام هؤلاء : آخر أمر المتكلمين الشك وآخر أمر المتصوفين الشطح والقرآن يوصلك إلى نفس اليقين في هذه المطالب التي هي أعلى مطالب العباد ولذلك أنزله من تكلم به وجعله شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده ويرغب عما يضره فيصير القلب محبا للرشد مبغضا للغي فالقرآن مزيل للإمراض الموجهة للإرادات الفاسدة فيصلح القلب فتصلح إرادته ويعود إلى فطرته التي فطر عليها فتصلح أفعاله
الاختيارية الكسبية كما يعود البدن بصحته وصلاحه إلى الحال الطبيعي فيصير بحيث لا يقبل إلا الحق كما أن الطفل لا يقبل إلا اللبن
وعاد الفتى كالطفل ليس بقابل % سوى المحض شيئا واستراحت عواذله فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه ويؤيده ويفرحه ويسره وينشطه ويثبت ملكه كما يتغذى البدن بما ينميه ويقويه وكل من القلب والبدن محتاج إلى أن تربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح فكما أن البدن محتاج إلى أن يزكو بالأغدية المصلحة له والحمية عما يضره فلا ينمو إلا بإعطائه ما ينفعه ومنع ما يضره فكذلك القلب لا يزكو ولا ينمو ولا يتم صلاحه إلا بذلك ولا سبيل له إلى الوصول إلى ذلك إلا من القرآن وإن وصل إلى شيء منه من غيره فهو نزر يسير لا يحصل له به تمام المقصود وكذلك الزرع لا يتم إلا بهذين الأمرين فحينئذ يقال : زكا الزرع وكمل
ولما كانت حياته ونعيمه لا تتم إلا بزكاته وطهارته لم يكن بد من ذكر هذا وهذا فنقول :
الباب الثامن في زكاة القلب الزكاة في اللغة : هي النماء والزيادة
في الصلاح وكمال الشيء يقال : زكا الشيء إذا نما قال الله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [ التوبه : 103 ] فجمع بين الأمرين : الطهارة والزكاة لتلازمهما فإن نجاسة الفواحش والمعاصي في القلب بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن وبمنزلة الرغل في الزرع وبمنزلة الخبث في الذهب والفضة والنحاس والحديد فكما أن البدن إذا استفرغ من الأخلاط الرديئة تخلصت القوة الطبيعية منها فاستراحت فعملت عملها بلا معوق ولا ممانع فنما البدن فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير فاستراح
من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة : زكا ونما وقوى واشتد وجلس على سرير ملكه ونفذ حكمه في رعيته فسمعت له وأطاعت فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته كما قال تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون [ النور : 30 ] فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج
ولهذا كان غض البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر جليلة القدر : إحداها : حلاوة الإيمان ولذته التي هي أحلى وأطيب وألذ مما صرف بصره وتركه لله تعالى فإن من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه والنفس مولعة بحب النظر إلى الصور الجميلة والعين رائد القلب فيبعث رائده لنظر ما هناك فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله تحرك اشتياقا إليه وكثيرا ما يتعب ويتعب رسوله ورائده كما قيل :
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا % لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر % عليه ولا عن بعضه أنت صابر فإذا كف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كلفة الطلب والإرادة فمن أطلق لحظاته دامت حسراته فإن النظر يولد المحبة فتبدأ علاقة يتعلق بها القلب بالمنظور إليه ثم تقوى فتصير صبابة ينصب إليه القلب بكليته ثم تقوى فتصير غراما يلزم القلب كلزوم الغريم الذي لا يفارق غريمه ثم يقوى فيصير عشقا وهو الحب المفرط ثم يقوى فيصير شغفا وهو الحب الذي قد وصل إلى شغاف القلب وداخله ثم يقوى فيصير تتيما والتتيم التعبد ومنه تيمه الحب إذا عبده ويتم الله عبد الله فيصير القلب عبدا لمن لا يصلح أن يكون هو عبدا له وهذا كله جناية النظر فحينئذ يقع القلب في الأسر فيصير أسيرا بعد أن كان ملكا ومسجونا بعد أن كان مطلقا يتظلم من الطرف ويشكوه والطرف يقول : أنا رائدك ورسولك وأنت بعثتني وهذا إنما تبتلي به القلوب الفارغة من حب الله والإخلاص له فإن القلب لابد له من التعلق بمحبوب فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده فلابد أن يتعبد قلبه لغيره قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين [ يوسف : 24 ] فامرأة العزيز لما كانت مشركة وقعت فيما وقعت فيه مع كونها ذات زوج ويوسف عليه السلام لما كان مخلصا لله تعالى نجا من ذلك مع كونه شابا عزبا غريبا
مملوكا الفائدة الثانية في غض البصر : نور القلب وصحة الفراسة قال أبو شجاع الكرماني : من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وكف نفسه عن الشهوات وغض بصره عن المحارم واعتاد أكل الحلال لم تخظىء له فراسة وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوط وما ابتلوا به ثم قال بعد ذلك : إن في ذلك لآيات للمتوسمين [ الحجر : 75 ] وهم المتفرسون الذين سلموا من النظر المحرم والفاحشة وقال تعالى عقيب أمره للمؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم : الله نور السموات والارض [ النور : 35 ]
وسر هذا : أن الجزاء من جنس العمل فمن غض بصره عما حرم الله عز وجل عليه عوضه الله تعالى من جنسه ما هو خير منه فكما أمسك نور بصره عن المحرمات أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغضه عن محارم الله تعالى وهذا أمر يحسه الإنسان من نفسه فإن القلب كالمرآة والهوى كالصدأ فيها فإذا خلصت المرآة من الصدأ انطبعت فيها صور الحقائق كما هي عليه وإذا صدئت لم تنطبع فيها صور المعلومات فيكون علمه وكلامه من باب الخرص والظنون
الفائدة الثالثة : قوة القلب وثباته وشجاعته فيعطيه الله تعالى بقوته سلطان النصرة كما أعطاه بنوره سلطان الحجة فيجمع له بين السلطانين ويهرب الشيطان منه كما في الأثر : إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه والذل لمن عصاه قال تعالى : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ المنافقون : 8 ] وقال تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [ آل عمران : 139 ] وقال تعالى : من كان يريد العزة فلله العزة جميعا [ فاطر : 10 ] أي من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله : بالكلم الطيب والعمل الصالح وقال بعض السلف : الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله وقال الحسن : وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله عز وجل إلا أن يذل من عصاه وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه ولا يذل من والاه ربه كما في دعاء القنوت : إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت

والمقصود : أن زكاة القلب موقوفة على طهارته كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة قال تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم [ النور : 21 ] ذكر ذلك سبحانه عقيب تحريم الزنا والقذف ونكاح الزانية فدل على أن التزكى هو باجتناب ذلك وكذلك قوله تعالى في الاستئذان على أهل البيوت : وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم [ النور : 28 ] فإنهم إذا أمروا بالرجوع لئلا يطلعوا على عورة لم يحب صاحب المنزل أن يطلع عليها كان ذلك أزكى لهم كما أن رد البصر وغضه أزكى لصاحبه وقال تعالى قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى وقال تعالى عن موسى عليه السلام في خطابه لفرعون هل لك إلى أن تزكى [ النازعات : 18 ] وقال تعالى : وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة [ ] قال أكثر المفسرين من السلف ومن بعدهم : هي التوحيد : شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان الذي به يزكو القلب فإنه يتضمن نفي إلهية ما سوى الحق من القلب وذلك طهارته وإثبات إلهيته سبحانه وهو أصل كل زكاة ونماء فإن التزكي وإن كان أصله النماء والزيادة والبركة فإنه إنما يحصل بإزالة الشر فلهذا صار التزكي ينتظم الأمرين جميعا فأصل ما تزكو به القلوب والأرواح : هو التوحيد والتزكية جعل الشيء زكيا إما في ذاته وإما في الاعتقاد والخبر عنه كما يقال عدلته وفسقته إذا جعلته كذلك في الخارج أو في الاعتقاد والخبر وعلى هذا فقوله تعالى : فلا تزكوا أنفسكم [ النجم : 32 ] هو على غير معنى : قد أفلح من زكاها [ الشمس : 9 ] أي لا تخبروا بزكاتها وتقولوا : نحن زاكون صالحون متقون ولهذا قال عقيب ذلك : هو أعلم بمن اتقى [ الشمس : 9 ] وكان اسم زينب برة فقال : تزكي نفسها فسماها رسول اللهزينب وقال : الله أعلم بأهل البر منكم وكذلك قوله : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم أي يعتقدون زكاءها ويخبرون به كما يزكي المزكي الشاهد فيقول عن نفسه ما يقول المزكي فيه ثم قال الله تعالى : بل الله يزكي من يشاء [ النساء : 49 ] أي هو الذي يجعله زاكيا ومثله قوله : قد أفلح من تزكى [ الأعلى : 14 ]
وقد اختلف في الضمير المرفوع في قوله : زكاها فقيل : هو لله أي أفلحت نفس زكاها الله عز وجل وخابت نفس دساها وقيل : إن الضمير يعود على فاعل أفلح وهو من سواء كانت موصولة أو موصوفة فإن الضمير لو عاد على الله سبحانه لقال : قد أفلح من زكاه وقد خاب من دساه والأولون يقولون : من وإن كان لفظها مذكرا فإذا وقعت على مؤنث جاز إعادة الضمير عليها بلفظ المؤنث مراعاة للمعنى وبلفظ المذكر مراعاة للفظ وكلاهما من الكلام الفصيح وقد وقع في القرآن اعتبار لفظها ومعناها فالأول كقوله : ومنهم من يستمع إليك [ الأنعام : 25 ] فأفرد الضمير والثاني كقوله : ومنهم من يستمعون إليك [ يونس : 42 ]
قال المرجحون للقول الأول : يدل على صحة قولنا : ما رواه أهل السنن من حديث ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت : أتيت ليلة فوجدت رسول اللهيقول : رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها فهذا الدعاء كالتفسير لهذه الآية وأن الله تعالى هو الذي يزكي النفوس فتصير زاكية فالله هو المزكي والعبد هو المتزكي والفرق بينهما فرق ما بين الفاعل والمطاوع قالوا : والذي جاء في القرآن من إضافة الزكاة إلى العبد إنما هو بالمعنى الثاني دون الأول كقوله : قد أفلح من تزكى [ الأعلى : 14 ] وقوله : هل لك إلى أن تزكى [ النازعات : 18 ] أي تقبل تزكية الله تعالى لك فتزكى قالوا : وهذا هو الحق فإنه لا يفلح إلا من زكاة الله تعالى قالوا : وهذا اختيار ترجمان القرآن ابن عباس فإنه قال في رواية علي بن أبي طلحة وعطاء والكلبي قد أفلح من زكى الله تعالى نفسه وقال ابن زيد قد أفلح من زكى الله نفسه واختاره ابن جرير قالوا : ويشهد لهذا القول أيضا قوله في أول السورة : فألهمها فجورها وتقواها [ الشمس : 8 ] قالوا : وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أخبر أنه خالق النفس وصفاتها وذلك هو معنى التسوية
قال أصحاب القول الآخر : ظاهر الكلام ونظمه الصحيح : يقتضي أن يعود الضمير على من أي أفلح من زكى نفسه هذا هو المفهوم المتبادر إلى الفهم بل لا يكاد يفهم غيره كما إذا قلت : هذه جارية قد ربح من اشتراها وصلاة قد سعد من صلاها وضالة قد خاب من آواها ونظائر ذلك
قالوا : والنفس مؤنثة فلو عاد الضمير على الله سبحانه لكان وجه الكلام : قد أفلحت نفس زكاها أو أفلحت من زكاها لوقوع من على النفس قالوا : وإن جاز تفريغ الفعل من التاء لأجل لفظ من كما تقول : قد أفلح من قامت منكن فذاك حيث لا يقع اشتباه والتباس فإذا وقع الاشتباه لم يكن بد من ذكر ما يزيله قالوا : و من موصولة بمعنى الذي ولو قيل : قد أفلح الذي زكاها الله لم يكن جائزا لعود الضمير المؤنث على الذي وهو مذكر قالوا : وهو سبحانه قصد نسبة الفلاح إلى صاحب النفس إذا زكى نفسه ولهذا فرغ الفعل من التاء وأتى ب من التي هي بمعنى الذي وهذا الذي عليه جمهور المفسرين حتى أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما وقال قتادة : قد أفلح من زكاها من عمل خيرا زكاها بطاعة الله عز وجل وقال أيضا : قد أفلح من زكى نفسه بعمل صالح وقال الحسن : قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله تعالى وقد خاب من أهلكها وحملها على معصية الله تعالى قال ابن قتيبة : يريد أفلح من زكى نفسه أي نماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع المعروف وقد خاب من دساها أي نقصها وأخفاها بترك عمل البر وركوب المعاصي والفاجر أبدا خفى المكان زمن المروءة غامض الشخص ناكس الرأس فمرتكب الفواحش قد دس نفسه وقمعها ومصطنع المعروف قد شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الرئى ويفاع الأرض لتشهر أماكنها للمعتفين وتوقد النيران في الليل للطارقين وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام لتخفي أما كنها على الطالبين فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها وأنشد :
وبواب بيتك في معلم % رحيب المباءة والمسرح
كفيت العفاة طلاب القرى % ونبح الكلاب لمستنبح فهذان قولان مشهوران في الآية وفيها قول ثالث : أن المعنى : خاب من دس نفسه مع الصالحين وليس منهم حكاه الواحدي قال : ومعنى هذا : أنه أخفى نفسه في الصالحين يري الناس أنه منهم وهو منطو على غير ما ينطوي عليه الصالحون وهذا وإن كان حقا في نفسه لكن في كونه هو المراد بالآية نظر وإنما يدخل في الآية بطريق العموم فإن الذي يدس نفسه بالفجور إذا خالط أهل الخير دس نفسه فيهم والله تعالى أعلم
الباب التاسع في طهارة القلب من أدرانه وأنجاسه هذا الباب وإن كان
داخلا فيما قبله كما بينا أن الزكاة لا تحصل إلا بالطهارة ولكنا أفردناه بالذكر لبيان معنى طهارته وشدة الحاجة إليها ودلالة القرآن والسنة عليها قال الله تعالى : يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر [ المدثر : 1 ] وقال تعالى : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائدة : 41 ] وجمهور المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن المراد بالثياب ههنا القلب والمراد بالطهارة إصلاح الأعمال والأخلاق قال الواحدي : اختلف المفسرون في معناه فروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يعني من الإثم ومما كانت الجاهلية تجيزه وهذا قول قتادة ومجاهد قالا نفسك فطهرها من الذنب ونحوه قول الشعبي وإبراهيم والضحاك والزهري وعلى هذا القول : الثياب عبارة عن النفس والعرب تكنى بالثياب عن النفس ومنه قول الشماخ :
رموها بأثواب خفاف فلا ترى % لها شبها إلا النعام المنفرا رموها يعني الركاب بأبدانهم وقال عنترة :
فشككت بالرمح الأصم ثيابه % ليس الكريم على القنى بمحرم يعني نفسه
وقال في رواية الكلبي : يعني لا تغدر فتكون غادرا دنس الثيباب وقال سعيد بن جبير : كان الرجل إذا كان غادرا قيل : دنس الثياب وخبيث الثيباب وقال عكرمة : لا تلبس ثوبك على معصية ولا على فجرة وروى ذلك عن ابن عباس واحتج بقول الشاعر :
وإني بحمد الله لا ثوب غادر % لبست ولا من خزية أتقنع وهذا المعنى أراد من قال في هذه الآية وعملك فأصلح وهو قول أبي رزين ورواية منصور عن مجاهد وأبي روق وقال السدى : يقال للرجل إذا كان صالحا : إنه لطاهر الثياب وإذا كان فاجرا : إنه لخبيث الثيباب قال الشاعر :
لا هم إن عامر بن جهم % أوذم حجا في ثياب دسم يعني أنه متدنس بالخطايا وكما وصفوا الغادر الفاجر بدنس الثوب وصفوا الصالح بطهارة الثوب قال امرؤ القيس :
ثياب بني عوف طهارى نقية يريد أنهم لا يغدرون بل يفون وقال الحسن : خلقك فحسنه وهذا قول القرطبي وعلى هذا : الثياب عبارة عن الخلق لأن خلق الإنسان يشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه وروى العوفى عن ابن عباس في هذه الآية لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طيب والمعنى طهرها من أن تكون مغصوبة أو من وجه لا يحل اتخاذها منه وروى عن سعيد بن جبير : وقلبك : ونيتك فطهر وقال أبو العباس : الثياب اللباس ويقال : القلب وعلى هذا ينشد :
فسلعى ثيابي من ثيابك تنسلي وذهب بعضهم في تفسير هذه الآية إلى ظاهرها وقال : إنه أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز معها الصلاة وهو قول ابن سيرين وابن زيد وذكر أبو إسحاق : وثيابك فقصر قال : لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه وهذا قول طاوس وقال ابن عرفة معناه : نساءك طهرهن وقد يكنى عن النساء بالثياب واللباس قال تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [ البقره : 178 ] ويكنى عنهن بالإزار ومنه قول الشاعر :
ألا أبلغ أبا حفص رسولا % فدى لك من أخى ثقة : إزارى أي أهلي ومنه قول البراء بن معرور للنبيليلة العقبة لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا أي نساءنا
قلت : الآية تعم هذا كله وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم إن لم تتناول ذلك لفظا فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك ولذلك حرم لبس جلود النمور والسعباع بنهي النبيعن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء
والمقصود : أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا
وقوله : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم [ المائدة : 41 ] عقيب قوله : سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه [ المائده : 41 ] مما يدل على أن العبد إذا اعتاد سماع الباطل وقبوله أكسبه ذلك تحريفا للحق عن مواضعه فإنه إذا قبل الباطل أحبه ورضيه فإذا جاء الحق بخلافه رده وكذبه إن قدر على ذلك وإلا حرفه كما تصنع الجهمية بآيات الصفات وأحاديثها يردون هذه بالتأويل الذي هو تكذيب بحقائقها وهذه بكونها أخبار آحاد لا يجوز الاعتماد عليها في باب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته فهؤلاء وإخوانهم من الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم فإنها لو طهرت لما أعرضت عن الحق وتعوضت بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله كما أن المنحرفين من أهل الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع الشيطاني عن السماع القرآني الإيماني قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله
فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه ولا يتداوى إلا بأدويته بخلاف القلب الذي لم يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية التي تناسبه بحسب ما فيه من النجاسة فإن القلب النجس كالبدن العليل المريض لا تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح
ودلت الآية على أن طهارة القلب موقوفة على إرادة الله تعالى وأنه سبحانه لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل المحرفين للحق لم يحصل لها الطهارة

ولا يصح أن تفسر الإرادة ههنا بالإرادة الدينية وهي الأمر والمحبة فإنه سبحانه قد أراد ذلك لهم أمرا ومحبة ولم يرده منهم كونا فأراد الطهارة لهم وأمرهم بها ولم يرد وقوعها منهم لما له في ذلك من الحكمة التي فواتها أكره إليه من فوات الطهارة منهم
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر
ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه فلابد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة بحسب نجاسة قلبه وخبثه ولهذا حرم الله سبحانه الجنة على من في قلبه نجاسة وخبث ولا يدخلها إلا بعد طيبه وطهره فإنها دار الطيبين ولهذا يقال لهم : طبتم فادخلوها خالدين [ الزمر : 73 ] أي ادخلوها بسبب طيبكم والبشارة عند الموت لهؤلاء دون غيرهم كما قال تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [ النحل : 32 ] فالجنة لا يدخلها خبيث ولا من فيه شيء من الخبث فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرا من نجاساته دخلها بغير معوق ومن لم يتطهر في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية كالكافر لم يدخلها بحال وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعدما يتطهر في النار من تلك النجاسة ثم لا يخرج منها حتى إن أهل الإيمان إذا جازوا الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيهذبون وينقون من بقايا بقيت عليهم قصرت بهم عن الجنة ولم توجب لهم دخول النار حتى إذا هذعبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة
والله سبحانه بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا على الطهارة فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفا على الطيب والطهارة فلا يدخلها إلا طيب طاهر فهما طهارتان : طهارة البدن وطهارة القلب ولهذا شرع للمتوضىء أن يقول عقيب وضوئه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فطهارة القلب بالتوبة وطهارة البدن بالماء فلما اجتمع له الطهران صلح للدخول على الله تعالى والوقوف بين يديه ومناجاته .


منقول
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

قرأت كتاب اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان للامام ابن القيم الجوزية
وكان مما قرأت واستوقفني كثيرا هو ماتحدث به الشيخ الجليل عن الغناء مبينا له اربعة عشر اسما مع الشرح الوفير والاستدلال من القرآن والسنه
فاحببت ان افيدكم بما قرأت واكتبه لكم كما في الكتاب مفصلا باذن الله على مراحل
وارجو ان اوفق
فان اصبت فمن الله تعالى وان اخطأت فمن نفسي ....كما انصحكم بقراءة هذا الكتاب والتعمق في كلمات ابن القيم فكأنه وهو الذي توفاه الله من قرون يعيش معنا ساعة بساعة ويحاكي قلوبنا ويعرف مادهاها ..

بدأ الشيخ بذكر اسماء للغناء ثم قام بتفصيلها وابدأها معكم واحده تلو الاخرى
أسماؤه دلت على أوصافه تبا لذي الاسماء والاوصاف

وبعد ان اعد معكم اسماء الغناء كما فصلها الشيخ الجليل ابن القيم ستكون هناك وقفه لكلماته الرائعه وللاحاديث النبويه التي استشهد بها وكذلك حكم المذاهب الاربعة في الغناء واقوال السلف والصحابة والتابعين في تحريمه .

1.الاسم الاول ( اللهو ) و الاسم الثاني( لهو الحديث)
قال تعالى : - ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (7)اذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم)
قال الواحدي : قال اهل المعاني: ويدخل في هذا كل من اختار اللهو، والغناء والمزامير والمعازف على القرآن وان كان اللفظ قد ورد بالشراء فهذا يدل على الاستبدال والاختيار وبحسب المرء من الضلاله ان يختار حديث الباطل على حديث الحق..
وقال ابو الصهباء : سالت ابن مسعود عن لهو الحديث فقال والله الذي لا اله الا هو هو الغناء.. ورددها ثلاثا.
وصح عن ابن عمر انه قال انه الغناء ايضا وكذلك قال ابن عباس
وقال الحاكم ابو عبدالله في اتفسير من كتاب المستدرك _ ليعلم طالب العلم ان تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين |أي البخاري ومسلم| هو حديث مسند_
واما غناء القينات *المغنيات* فذلك اشد مافي هذا الباب من التحريموقد جاء في مسند أحمد وجامع الترميذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (( لاتبيعوا القينات ولاتشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام ))
فانك لاتجد أحد عنى بالغناء وسماع آلاته الا وفيه ضلال وثقل عليه سماع القرآن وربما حمله الحال على أن يسكت القاريء ويستطيل قراءته ويستزيد المغنى ويستقصر نوبته.

2. الاسم الثالث (الزور) 3. والرابع ( اللغو)
قال تعالى –( والذين لايشهدون الزور واذا مروا باللغو مروا كراما)-
قال محمد بن الحنفيه : الزور هاهنا هو الغناء . واللغو في اللغه هو كل ميلغي ويطرح وهو معنى لمن يحضرون مجالس الباطل واذا مروا بكل مايلغى من قول وعمل اكرموا انفسهم ان يقفوا عليه او يميلوا اليه
وقد اثنى الله تعالى على من اعرض عن اللغو اذا سمعه – واذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم اعمالكم –
والزور هو ميل عن الحق الثابت الى الباطل الذي لاحقيقة له قولا وفعلا وقوله تعالى لايشهدون الزور أي لايخضرون اماكن الزور وقول الباطل
وهل هناك مايلغي وهناك ماهو ابطل من الغناء.

4. الاسم الخامس ( الباطل)
الباطل هو ضد الحق يراد به المعدوم الذي لاوجود له والموجود الذي مضرة وجوده اكثر من منفعته.
قال اين وهب اخبرني سليمان عن كثير بن زيد انه سمع عبيد الله يقول للقاسم بن محمد ( كيف ترى الغناء ؟ فقال القاسم : هو باطل . فقال : قد عرفت انه باطل فكيف ترى فيه ؟ فقال القاسم : ارأيت الباطل اين هو ؟ قال : في النار, فال : فهو ذاك)

5.الاسم السادس ( المكاء) 6. الاسم السابع ( التصدية)
قال تعالى عن الكفار- (وما كان صلاتهم عند البيت الا مكاء وتصدية-)
المكاء عند اهل اللغة هو الصفير .. واما التصديه في اللغه فهي اتصفيق باليدين
قال بن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ويصفرون ويصفقون .
وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويصفرون ويصفقون يخلطون عليه طوافه وصلاته .
والمقصود ان المصفقين والصفارين في يراع او مزمار ونحوه فيهم شبه من هؤلاء ولو انه مجرد الشبه الظاهر فلهم قسط من الذم بسب تشبههم بهم والله سبجانه لم يشرع التصفيق للرجال وقت الحاجه اليه في الصلاة اذا نابهم امر بل أمروا بالعدول عنه الى التسبيح فكيف اذا فعلوه لا لحاجه وقرنوا بها انواع من المعاصي قولا وفعلا ؟


7.الاسم الثامن ( رقية الزنا)
فقد سماه هكذا الفضيل بن عياض فهو اسم موافق لمسماه ولفظ مطابق لمعناه فليس في رقى الزنى انجع منه
وقد قال ابن عثمان الليثي ان يزيد بن الوليد قال: يا بني امية اياكم والغناء فانه ينقص الحياء ويزيد في الشهوه ويهدم المروءه وانه لينوب عن الخمر ويفعل مايفعل السكر فان كنتم لابد فاعلين فجنبوه النساء فانه داعية الزنى)
وقال خالد بن عبد الرحمن : كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فارسل اليهم بكرة فيء بهم فقال من بين ماقاله : وان الرجل ليتغنى فتشتاق اليه المرأه .
وقد كان الحطيئه شاعر مفتون اللسان هابت العرب هجاءه وقد كان يخاف عاقبة الغناء وان تصل رقيته الى حرمته فما الظن بغيره ؟ حيث جاور قوما من بني *** فقالوا له القوم : انه قد عظم حقك علينا بتخطيك القبائل الينا وقد اتيناك لنسألك عما تحب فنأتيه وعما تكره فنزدجر عنه فقال لهم : جنبوني ندي مجالسكم ولا تسمعوني أغاني شبيبتكم فان الغناء رقية الزنى)
ولا ريب ان كل غيور يجنب اهله سماع الغناء كما يجنبهم اسباب الريب ومن طرق اهله الى سماع رقية الزنى فهو اعلم بالاثم الذي يستحقه.
ومن المعروف ان المرأه سريعة الانفعال بالاصوات جدا فاذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين من جهة الصوت ومن جهة معناه,,ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لانجشه *عندما كان يشدو بصوته في قافلة بها نساء *..(يا انجشه رويدك رفقا بالقوارير)
فاما اذا اجتمع الى هذه الرقيه الدف والشبابه والرقص والت**ر فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء.
فكم من حره صارت بالغناء من البغايا وكم من حر اصبح عبدا للصبيان او الصبايا وكم من ذي غنى وثروة اصبح بسببه على الارض بعد المطارف والحشايا وكم من معافى تعرض له فامسى وقد خلت به انواع البلايا وكم اهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بدا من قبول تلك الهدايا وكم جرع من غصه وازال من نعمه وجلب من نقمه وكم خبأ لاهله من ألام منتظره وغموم متوقعه وهموم مستقبله.
منقول
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

يمكن الاستفادة والرجوع للكتب العامة بمواضيع أعمال القلوب أو محاسن أو مساوىء الأخلاق أو السلوك والآداب فهي تتكلم غالباً عن المواضيع الخاصة في ثناياها.





الحب من أسمى العواطف الإنسانية، وأرقى الغرائز التي جبلت عليها الفطرة البشرية، وهو إحساس وشعور نفسي ووجداني، ينجذب به القلب تجاه المحبوب بحماسة وعاطفة جياشة.
درجات الحب:
والحب درجات، أسماها حب الله ورسوله، ثم حب الأهل وخاصة الوالدين والأقارب والأصدقاء، ثم الحب بين الرجل والمرأة. والحب بين الرجل والمرأة منه الحلال، وهو الذي يربط بين الزوج وزوجته، ومنه الحرام كالانحرافات والشذوذ والعلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة.
والحب الحلال ينشأ في ظل الله ورضاه، ويترعرع تحت أعين الناس وبمباركتهم، أما الحب الحرام فينبت في تربة سوء يرعاها الشيطان، ويرويها بالغواية والضلال، ويزينها بالهوى. والحب الحلال يباركه الله، ويغبطه الناس، أما الحب الحرام فلا يرضى عنه الله ويرفضه المجتمع.
والمرأة بحكم تكوينها النفسي، أكثر عاطفة، وأرهف إحساسًا من الرجل، فحبها أعمق وشعورها أقوى، ولكن الحب -في كثير من حالاته- أصبح مشكلة خطيرة تضر بالمجتمع وأفراده، فقد طغت الصور المحرمة منه على الصور الحلال، وانتشر الفساد، وتفككت الأسر، وخُرِّبت البيوت، وانتهكت الحرمات، كل هذا تحت شعار الحب.
أسباب المشكلة:
ولمشكلة الحب الحرام أسباب عديدة منها:
انتشار كثير من المفاهيم والأفكار الخاطئة لدى الشباب عن ضرورة ممارسة الحب، وتجربته، ومعايشته، مما ينتج عنه من سوء الخلق المتفشي في أيامنا هذه، والاختلاط الفاسد دون رقابة أو حدود في البيت بين الأقارب وغير الأقارب، وفي الشارع، وفي وسائل المواصلات، وفي المدارس والجامعات، وفي الأندية والمنتزهات، فكان سبيلاً للفساد ونشر الفتن والشرور، فبه تسهل الرذيلة ويعمل الشيطان عمله.
قال الشاعر :
نظرة فابتسامة فســلام فكلام فموعــد فلقـاء
فالنظرة سهم من سهام إبليس، فمن أطلق لها العنان لم يجن إلا الهلاك.
يقول الشاعر:
كل الحـوادث مبداها من النظـر ومعظم النار من مستصغر الشــرر
وسائل الإعلام بصورها العديدة، وما تبثه من أفكار، وما تعرضه من أفلام ومسلسلات، تصور الحب الحرام في صور تجعل منه عنوان التضحية والوفاء، فتمسخ بذلك قيم وأخلاق الشباب، وتدفعهم إلى التجربة دفعًا حتى يكون لهم نصيب من هذه التضحية والفناء في سبيل الحب!!
نتائج المشكلة:
فكان نتيجة هذه الأسباب أن انتشرت الفتن وغلبت الشهوات، فكم من زوجة خانت زوجها، وكم من زوج خان زوجته، وكم من فتاة فقدت عنوان شرفها، وكم من فتى عاث فسادًا، وكم من مقدسات انتهكت، وحرمات أبيحت، كل هذا تحت دعوى الحب!!
دور المرأة:
وهنا يأتي دور المرأة أو الفتاة، والتي إذا فرطت في كرامتها وانساقت مع تيار هواها، كانت سبيلاً للفتنة والفساد، فهي الزوجة التي بحبها لزوجها وكونها السكن والأمان له تصون بيتها وتحفظ مجتمعها، وهي الأم التي بتربيتها لأبنائها وفق المبادئ والقيم السامية تمد المجتمع بالسواعد القادرة على بنائه والنهوض به، فعلى المسلمة الالتزام بالضوابط التي وضعها الإسلام لما فيه صلاح الأفراد وخير المجتمع...
ضوابط إسلامية:
ويجب مراعاة بعض الضوابط التي وضعها الإسلام لصيانة الفرد وحماية المجتمع مثل:
1- الأمر بغض البصر والنهي عن النظر الحرام، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 30-31]، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال، قال (: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أتاه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) [الحاكم].
2- عدم الاختلاط إلا لضرورة تهدف لخير الإسلام والمسلمين، وتجنب الاختلاط الفاسد للهو والعبث.
3- الاهتمام بالزواج، والترغيب فيه، وتيسير سبله، وجعله الوسيلة الشرعية لتحقيق الحب والسكن، قال تعالى : {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]، وقال (: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)
[متفق عليه].
4- حث المرأة على الحفاظ على زوجها، وعلى حيوية الحب بينهما من خلال أعمال بسيطة كتبادل الهدايا، والنظرات الحانية الدافئة، والمشاركة يدًا بيد في أعماله ونشاطاته، فالحب كالزرع ينمو بالرعاية، ويذبل بالإهمال.
5- الدعوة إلى التمسك بالفضائل، ونهي النفس عن الهوى، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى}
[النازعات: 40-41].
6- بيان أن كل أمور الدنيا ما هي إلا وسائل نحو الغاية السامية، وهي الوصول لأسمى درجات الإيمان ممثلة في حب الله ورسوله، فهو غاية الفرد التي إليها يسعى، وبها ينال الفوز والسعادة قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبًّا لله} [البقرة: 165]، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31].
7- دعوة المسؤولين عن وسائل الإعلام أن يتقوا الله في ما يبثونه من مادة إعلامية على شباب وفتيات، ونساء ورجال هذه الأمة، ولا يتخذوا من هذه الأجهزة أبواقًا ينفث منها الشيطان سمومه، بل عليهم أن يقوموا بدورهم -من خلال هذه الأجهزة- في نشر القيم والفضائل السامية، التي بها يزدهر المجتمع ويسعد أفراده.
إن الإسلام لا يعادي المشاعر الإنسانية، ولكنه يسد أبواب الفواحش فالحب حلاله حلال، وحرامه حرام.




النظرة سهم مسموم من سهام إبليس
يقول ابن القيم في ( الداء والدواء ) : النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته ، وفي غض البصر عدة منافع منها :

1- أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم }

2- أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه الى قلبه .

3- أنه يورث القلب أنساً بالله وجمعية عليه ، فإن أطلاق البصر يفرق القلب ويشتته وبيعده عن الله ..

4- أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه .

5- أنه يكسب القلب نوراً ، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر ، فقال تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ..} ثم قال إثر ذلك { الله نور السماوات والأرض ...}

6- أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل ، فالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس العمل ، فإن غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة

7- أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة ..

8- أنه يسد على الشيطان مدخله الى القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي

9- أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والإشتغال بها

10- أن بين العين والقلب منفذاً وطريقاً يوجب إنفصال أحدهما عن الآخر ، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فإذا فسد القلب فسد النظر وإذا فسد النظر فسد القلب ، وكذلك في جانب الصلاح .

هذه إشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ماورائها .

أسأل الله بمنه وكرمه أن يعصمني وأياكم من الزلل ، كما اسأله أن نكون ممن استخدم نعم الله في مرضاته
~ القلب الميت ~

وهو القلب الميت الذى لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى ليلى:
عَدُو لِمَنْ عَادَتْ، وَسِلمٌ لأهْلِهَا وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَأَقْرَبا



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

لقد أوحى الشيطان إلى أتباعه ابتكار آلات اللهو والمعازف والتفنن في الضرب عليها ، وحسن لهم سماع الغناء ونمقه وأظهره لهم بهالة عظيمة ، ليصدهم عن سبيل الله ويفسد قلوبهم ويدمر أخلاقهم 0

وقد كتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده يقول : ( ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان ، وعاقبتها سخط الرحمن ، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب ،كما ينبت العشب على الماء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 210 ) -

فالغناء رسول إبليس إلى القلوب ، إذ به يطرب القلب وتنتشي الأعضاء مما يحرك فيها المعصية ، فهو من أعظم الدواعي لها ، ولهذا فسر صوت الشيطان به ، فعن مجاهد في قوله تعالى : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) ( سورة الإسراء – الآية 64 ) قال استنزل منهم من استطعت ، قال : وصوته الغناء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 214 ) 0

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ( ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين 0 قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) ( سورة الأنفال – الآية 35 ) قال ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما من السلف و " التصدية " التصفيق باليد و " المكاء " مثل الصفير ، فكان المشركون يتخذون هذا عبادة ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك ، والاجتماعات الشرعية ، ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته ، بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه ) ( مجموع الفتاوى - 11 / 295 ) 0

والناظر في أهل هذا الزمان يرى أن الشيطان بلغ مراده في هذا الميدان ، فأصبح صوت الشيطان لسان كل ناعق يبث الغناء في الليل والنهار ، وتفنن شياطين الإنس في ابتكار أحدث الوسائل والأساليب والتقنيات في إيصال الغناء إلى القلوب ، فالتقى الغناء والزنا وشرب الخمر ، واستطاع الشيطان بذلك تحطيم النفوس وإفراغها من كل خوف أو محبة لله 0

سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عن أسباب كثرة إصابة الناس بالسحر أو العين أو المس والصرع ونحو ذلك ؟؟؟

فأجاب – حفظه الله - : ( من أسباب ذلك الغفلة عن ذكر الله وعن تلاوة كتابه ، وذلك لأن الذكر يعتبر حصناً حصيناً من ضرر الشياطين ، ولذلك نرى أهل الخير والصلاح لا يضرهم عمل السحرة ولا حيلهم ، وأكثر ما يتسلطون على أهل الملاهي والغفلة ، كما أن من أسباب الإصابة عمل المعاصي واقتراف الفواحش ، والذنوب ضد على صاحبها ، فلا يؤمن أن يسلط عليه الشيطان بواسطة الساحر والعائن ونحو ذلك ، وهكذا من الأسباب استعمال آلات اللهو وإدخالها في المنازل فإنها مجلبة الشياطين ومردة الجن حيث إن أغلب ما تتسلط الشياطين على أهل الملاهي وتألف تلك المساكن الخالية عن الخير والمليئة بالأشرار ، فيجد الشيطان إليهم سبيلاً ويستطيع الساحر أن يؤثر فيهم بمن سخره من الجن ، سواء بالصرع أو بالمس أو العين ، وهناك أسباب أخرى كالابتلاء والامتحان وإظهار قدرة الله وإظهار أثر المعاصي ونحو ذلك ، ولا شك أن هذه الإصابات كلها بقضاء الله وقدره ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولكن يسلط الشياطين على أعدائه كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) ( سورة مريم – الآية 83 ) أي تزجهم إلى الكفر والمعاصي ، فمن أراد الحفظ أو الوقاية من شرهم الحسي والمعنوي ، فعليه أن يتحصن عن الذنوب بذكر الله وطاعته وكثرة الحسنات والأعمال الصالحة والله يتولى الصالحين ) ( منكرات الإنسان فيما يسلط الجن والشيطان ) 0

وقد عم المسلمين الابتلاء في مشارق الأرض ومغاربها بهذا الداء العظيم ، ولا تكاد تسير في طريق أو تركب دابة أو تنزل منزلا إلا وتسمع من ذلك الكثير ، وقد ورد التحذير والوعيد من الانقياد لسماع الغناء والمزامير ، وتلك بعض الأحاديث الدالة على خطورة ذلك :

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون - أن تستحل الشيء أي أن تأخذه دون وجه حق ودون موافقة صاحبه ، فكيف إن كان الأمر متعلقا بشرع الله ، وصاحب الأمر هو الله سبحانه وتعالى - الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم - يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا : ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) 0

قال العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - : ( يستفاد من الحديث المتقدم فوائد هامة نذكر منها :
أولا : تحريم الخمر ، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين 0
ثانيا : تحريم آلات العزف والطرب ، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه :
أ - قوله : ( يستحلون ) ، فإنه صريح بأن المذكورات - ومنها المعازف - هي في الشرع محرمة ، فيستحلها أولئك القوم 0
ب - اقتران المعازف مع المقطوع حرمته : الزنا والخمر ، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى 0
وقد جاءت أحاديث كثيرة ، بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ كالطبل والقنين - وهو العود - وغيرها ، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه ، اللهم ! إلا الدف في النكاح والعيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه ) ( سلسلة الأحاديث الصحيحة – باختصار - 1 / 188 ، 192 ) 0

* وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ، إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر ) ( صحيح الجامع 3665 ) 0

قال المباركفوري : ( الخسف : أي ذهابا في الأرض وغورا بهم فيها ، والقذف : رمي حجارة من السماء ، والمسخ : أي قلب خلقة من صورة إلى أخرى ، والقينات : أي الإماء المغنيات ) ( تحفة الأحوذي - 6 / 378 )

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم قردة وخنازير ) ( السلسلة الصحيحة 90 ) 0

قال المناوي : ( " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف " أي الدفوف " والقينات " أي الإماء المغنيات " يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " وفيه وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم ، بتغيير اسمه ، وأن الحكم يدور مع العلة في تحريم الخمر وهي الإسكار فمهما وجد الإسكار وجد التحريم ، ولو لم يستمر الاسم 0 قال ابن العربي : هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بإلقائها ، ردا على من جمد على اللفظ0 قال ابن القيم فيه تحريم آلة اللهو ، فإنه قد توعد مستحل المعازف بأنه يخسف به الأرض ويمسخهم قردة وخنازير ، وإن كان الوعيد على جميع الأفعال ، ولكل واحد قسط من الذم والوعيد ) ( فيض القدير – 5 / 391 ، 392 ) 0

* عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة ) ( السلسلة الصحيحة 427 ) 0

قال المناوي : ( هو الآلة التي يزمر بها بكسر الميم 0 قال الشارح : والمراد هنا الغناء لا القصبة التي يزمر بها كما دل عليه كلام كثير من الشراح " ورنة " أي صيحة " عند مصيبة " 0 قال القرطبي وابن تيمية : فيه دلالة على تحريم الغناء ، فإن المزمار هو نفس صوت الإنسان يسمى مزمارا كما في قوله : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود ) ( فيض القدير – باختصار – 4 / 210 ) 0

* ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – في قول الله عز وجل : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – الآية 6 ) 0

قال ابن كثير – رحمه الله - : ( قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - : " لهو الحديث " الغناء والله الذي لا إله إلا هو0 يرددها ثلاث مرات 0
وكثير من علماء السلف من قال بذلك منهم ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومكحول ، وعمرو بن شعيب ، وعلي بن بذيمة ، والحسن البصري ) ( تفسير القرآن العظيم - 3 / 378 ) 0

والمتأمل لهذه الأحاديث والآثار يلاحظ التحذير والوعيد الشديد لمن انقاد وراء الغناء والمزمار ، فجعله ديدنه في الصبح والمساء ، وبدلا من أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبه وجلاء همه وحزنه ، جعل ناصيته بيد الشيطان فاستحوذ عليه وقاده لما يسخط الرحمن 0

ونعجب من أولئك الذين أباحوا ذلك الأمر ، فأين حجتهم وأين دليلهم ، والدليل شاهد قوي لحرمة ذلك الأمر وخطورته من سياق الأحاديث آنفة الذكر فنسأل الله العافية 0

والمتتبع للمعاني التي تحتويها وترمز إليها معظم الأغاني التي تذاع اليوم ، يجدها :

أ - الكفر الصريح بالحق جل وعلا 0
ب- الشرك بالله سبحانه وتعالى 0
ج - الدعوة الصريحة للإباحية والفساد 0

إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي اليوم يعتصر قلبه حزنا وأسى ، لما يراه ويسمعه من تفش للمظاهر الهدامة والدخيلة في مجتمعاتنا الإسلامية ، فأصبح القدوة اليوم المطرب والمطربة ، وترى كثيرا من الناس من يشار لهم بالبنان ، وينظر إليهم نظرة إجلال وإكبار وتقدير ، مع أنهم حقيقة ليسوا كذلك ، بل هم من شرار خلق الله على الإطلاق ، ولا تحتوي قلوبهم على مثقال ذرة من الإيمان ، مصداقا لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث الطويل الذي رواه حذيفة – رضي الله عنه – ونقتصر على ما يهمنا في هذا الموضع : ( 000 فيصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة 0 حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا 0 وحتى يقال للرجل : ما أعقله ! وأجلده ! وأظرفه ! وما في قلبه حبة خردل من إيمان 000 ) ( متفق عليه ) 0

قال المباركفوري : ( " وحتى يقال للرجل" أي من أرباب الدنيا ، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر ، وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة :" ما أجلده " بالجيم " وأظرفه " بالظاء المعجمة " وأعقله " بالعين المهملة والقاف ، تعجبا من كماله واستغرابا من مقاله واستبعادا من جماله 0
وحاصله 00 أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه ، ولا يمدحون أحدا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح " وما في قلبه " حال من الرجل أي والحال أنه ليس في قلبه " مثقال حبة " أي مقدار شيء قليل " من خردل " من بيانية لحبة هي خردل " من إيمان " أي كائنا منه ) ( تحفة الأحوذي – 6 / 337 ، 338 ) 0

وقد حصل ذلك نتيجة لتفشي الجهل الذي ابتليت به تلك المجتمعات ، وما فطنت هذه المجتمعات أن هذا الصنف من الناس بعيد عن كتاب الله وسنة رسوله e مخالفين بذلك الشريعة والفطرة والعقل ، وقد تعدى ضررهم إلى غيرهم من المسلمين ، فكانوا سلاح الشيطان إلى القلوب ، وطريقه إلى الهوى 0

إن القدوة لا بد أن تكون لمن هو أهل لها ، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى الذي لا بد من الاقتداء به في سائر مراحل الحياة ودروبها ، لأنه تربى على القرآن ، وكان خلقه في حياته ، كما ثبت من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : ( كان خلقه القرآن ) ( صحيح الجامع 4811 ) 0

قال المناوي : ( " كان خلقه " بالضم : قال الراغب : هو والمفتوح الخاء بمعنى واحد " القرآن " أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك وقال القاضي : أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن ، فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه فكان القرآن بيان خلقه 0 انتهى 0 وقال في الديباج معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبيره وحسن تلاوته ) ( فيض القدير - 5 / 170 ) 0

وكذلك الاقتداء بخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين 0

ولا بد للمرأة المسلمة أن تجعل القدوة في أمهات المؤمنين خديجة وعائشة وحفصة وسائر الصحابيات رضوان الله عليهن أجمعين ، ويكون لها ذلك نموذجا في الالتزام والتصرف والسلوك ، لأنهن قد تربين على كتاب ربهن وسنة نبيهن صلى الله عليه وسلم 0

فعلينا الحذر من التقليد واتخاذ القدوة من الذين لا خلاق لهم في الدنيا ، والذين لا يذكرون الله ولا يخافون منه ولا يتجهون إليه ، وممن خالفوا أمره وارتكبوا ما نهى عنه ، فإن اتخاذ القدوة من هؤلاء تفضي إلى مجانستهم ومحبتهم والميل إليهم ، وكل إنسان يحشر مع من أحب ، كما ثبت من حديث أنس وابن مسعود – رضي الله عنهما – قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرء مع من أحب ) ( متفق عليه ) 0

قال المناوي : ( " المرء مع من أحب " طبعا وعقلا وجزاء ومحلا فكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بطبعه شاء أم أبى ، وكل امريء يصبو إلى مناسبه رضي أم سخط ، فالنفوس العلوية تنجذب بذواتها وهممها وعملها إلى أعلى ، والنفوس الدنية تنجذب بذواتها إلى أسفل ، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أم الأسفل ؟ فلينظر أين هو ؟ ومع من هو في هذا العالم ؟ فإن الروح إذا فارقت البدن تكون مع الرفيق الذي كانت تنجذب إليه في الدنيا ، فهو أولى بها ، فمن أحب الله فهو معه في الدنيا والآخرة ، إن تكلم فبالله ، وإن نطق فمن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكت فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله 0 واتفقوا على أن المحبة لا تصح إلا بتوحيد المحبوب ، وأن من ادعى محبته ثم لم يحفظ حدوده فليس بصادق 0 وقيل : المراد هنا من أحب قوما بإخلاص فهو في زمرتهـم وإن لم يعمل عملهم ، لثبوت التقارب مع قلوبهم - قال أنس : ما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث 0 وفي ضمنه حث على حب الأخيار رجاء اللحاق بهم في دار القرار والخلاص من النار والقرب من الجبار ، والترغيب في الحب في الله ، والترهيب من التباغض بين المسلمين لأن من لازمها فوات هذه المعية ، وفيه رمز إلى أن التحابب بين الكفار ينتج لهم المعية في النار وبئس القرار ) ( فيض القدير - 265 ، 266 ) 0

فمن أحب محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن تبعهم من سلف الأمة فسيحشر معهم ، وإن كان إلى غيرهم متجها وله مقلدا فإنه سيحشر مع هذه الزمرة ، وقد ينتهي به المصير إلى عذاب السعير 0

قال ابن القيم - رحمه الله - : ( فمن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء والتصدية ، والغناء بالآلات المحرمة ، الذي يصد القلوب عن القرآن ، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان ، فهو قرآن الشيطان ، والحجاب الكثيف عن الرحمن ، وهو رقية اللواط والزنى ، وكاد به الشيطان النفوس المبطلة ، وحسنه لها مكرا وغرورا ، وأوحى لها الشبه الباطلة على حسنها ، فقبلت وحيه ، واتخذت لأجله القرآن مهجورا 00 ) ( إغاثة اللهفان – 1 / 242 ) 0

سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن حكم الاستماع للغناء والموسيقى فأجاب – رحمه الله - : ( لا يجوز استماع الأغاني وآلات الملاهي لما في ذلك من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولأن استماعها يمرض القلوب ويقسيها 00 وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على تحريم ذلك 00 أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – جزء من الآية 6 ) الآية وقد فسر أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم لهو الحديث بأنه الغناء وآلات اللهو 0 وروى البخاري – رحمه الله – في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) الحديث 0 والحر هو الفرج الحرام ، والحرير معروف وهو حرام على الذكور ، والخمر معروف وهو كل مسكر وهو حرام على جميع المسلمين من الذكور والإناث والصغار والكبار 00 وهو من كبائر الذنوب 00 والمعازف تشمل الغناء وآلات اللهو كالموسيقى والكمان والعود والرباب وأشباه ذلك 00 وفي الباب آيات وأحاديث أخرى غير ما ذكرنا ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) ( فتاوى إسلامية – مجموعة من العلماء – 3 / 291 ) 0

يقول الأستاذ محمد علي حمد السيدابي : ( اللهو والغناء : هذان أخطر مصائد الشيطان ، واللهو في اللغة : اللعب 0 والغناء : الصوت الذي يطرب 0 وتغنى بالمرأة إذا تغزَّل بها 0 والغناء واللهو من مصائد الشيطان وحبائله التي ينصبها لإضلال الناس ) ( حقيقة الجن والشياطين من الكتاب والسنة – ص 74 ) 0

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا وشر الشيطان وشركه ، وأن يقينا صغائر الأمور وكبائرها ، وأن يعفو عنا وأن يغفر لنا ويرحمنا ، وينصرنا على القوم الكافرين ، مع تمنياتي للجميع بالصحة والسلامة والعافية :
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

يمكن الاستفادة والرجوع للكتب العامة بمواضيع أعمال القلوب أو محاسن أو مساوىء الأخلاق أو السلوك والآداب فهي تتكلم غالباً عن المواضيع الخاصة في ثناياها.





الحب من أسمى العواطف الإنسانية، وأرقى الغرائز التي جبلت عليها الفطرة البشرية، وهو إحساس وشعور نفسي ووجداني، ينجذب به القلب تجاه المحبوب بحماسة وعاطفة جياشة.
درجات الحب:
والحب درجات، أسماها حب الله ورسوله، ثم حب الأهل وخاصة الوالدين والأقارب والأصدقاء، ثم الحب بين الرجل والمرأة. والحب بين الرجل والمرأة منه الحلال، وهو الذي يربط بين الزوج وزوجته، ومنه الحرام كالانحرافات والشذوذ والعلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة.
والحب الحلال ينشأ في ظل الله ورضاه، ويترعرع تحت أعين الناس وبمباركتهم، أما الحب الحرام فينبت في تربة سوء يرعاها الشيطان، ويرويها بالغواية والضلال، ويزينها بالهوى. والحب الحلال يباركه الله، ويغبطه الناس، أما الحب الحرام فلا يرضى عنه الله ويرفضه المجتمع.
والمرأة بحكم تكوينها النفسي، أكثر عاطفة، وأرهف إحساسًا من الرجل، فحبها أعمق وشعورها أقوى، ولكن الحب -في كثير من حالاته- أصبح مشكلة خطيرة تضر بالمجتمع وأفراده، فقد طغت الصور المحرمة منه على الصور الحلال، وانتشر الفساد، وتفككت الأسر، وخُرِّبت البيوت، وانتهكت الحرمات، كل هذا تحت شعار الحب.
أسباب المشكلة:
ولمشكلة الحب الحرام أسباب عديدة منها:
انتشار كثير من المفاهيم والأفكار الخاطئة لدى الشباب عن ضرورة ممارسة الحب، وتجربته، ومعايشته، مما ينتج عنه من سوء الخلق المتفشي في أيامنا هذه، والاختلاط الفاسد دون رقابة أو حدود في البيت بين الأقارب وغير الأقارب، وفي الشارع، وفي وسائل المواصلات، وفي المدارس والجامعات، وفي الأندية والمنتزهات، فكان سبيلاً للفساد ونشر الفتن والشرور، فبه تسهل الرذيلة ويعمل الشيطان عمله.
قال الشاعر :
نظرة فابتسامة فســلام فكلام فموعــد فلقـاء
فالنظرة سهم من سهام إبليس، فمن أطلق لها العنان لم يجن إلا الهلاك.
يقول الشاعر:
كل الحـوادث مبداها من النظـر ومعظم النار من مستصغر الشــرر
وسائل الإعلام بصورها العديدة، وما تبثه من أفكار، وما تعرضه من أفلام ومسلسلات، تصور الحب الحرام في صور تجعل منه عنوان التضحية والوفاء، فتمسخ بذلك قيم وأخلاق الشباب، وتدفعهم إلى التجربة دفعًا حتى يكون لهم نصيب من هذه التضحية والفناء في سبيل الحب!!
نتائج المشكلة:
فكان نتيجة هذه الأسباب أن انتشرت الفتن وغلبت الشهوات، فكم من زوجة خانت زوجها، وكم من زوج خان زوجته، وكم من فتاة فقدت عنوان شرفها، وكم من فتى عاث فسادًا، وكم من مقدسات انتهكت، وحرمات أبيحت، كل هذا تحت دعوى الحب!!
دور المرأة:
وهنا يأتي دور المرأة أو الفتاة، والتي إذا فرطت في كرامتها وانساقت مع تيار هواها، كانت سبيلاً للفتنة والفساد، فهي الزوجة التي بحبها لزوجها وكونها السكن والأمان له تصون بيتها وتحفظ مجتمعها، وهي الأم التي بتربيتها لأبنائها وفق المبادئ والقيم السامية تمد المجتمع بالسواعد القادرة على بنائه والنهوض به، فعلى المسلمة الالتزام بالضوابط التي وضعها الإسلام لما فيه صلاح الأفراد وخير المجتمع...
ضوابط إسلامية:
ويجب مراعاة بعض الضوابط التي وضعها الإسلام لصيانة الفرد وحماية المجتمع مثل:
1- الأمر بغض البصر والنهي عن النظر الحرام، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 30-31]، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال، قال (: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أتاه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) [الحاكم].
2- عدم الاختلاط إلا لضرورة تهدف لخير الإسلام والمسلمين، وتجنب الاختلاط الفاسد للهو والعبث.
3- الاهتمام بالزواج، والترغيب فيه، وتيسير سبله، وجعله الوسيلة الشرعية لتحقيق الحب والسكن، قال تعالى : {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]، وقال (: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)
[متفق عليه].
4- حث المرأة على الحفاظ على زوجها، وعلى حيوية الحب بينهما من خلال أعمال بسيطة كتبادل الهدايا، والنظرات الحانية الدافئة، والمشاركة يدًا بيد في أعماله ونشاطاته، فالحب كالزرع ينمو بالرعاية، ويذبل بالإهمال.
5- الدعوة إلى التمسك بالفضائل، ونهي النفس عن الهوى، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى}
[النازعات: 40-41].
6- بيان أن كل أمور الدنيا ما هي إلا وسائل نحو الغاية السامية، وهي الوصول لأسمى درجات الإيمان ممثلة في حب الله ورسوله، فهو غاية الفرد التي إليها يسعى، وبها ينال الفوز والسعادة قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبًّا لله} [البقرة: 165]، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31].
7- دعوة المسؤولين عن وسائل الإعلام أن يتقوا الله في ما يبثونه من مادة إعلامية على شباب وفتيات، ونساء ورجال هذه الأمة، ولا يتخذوا من هذه الأجهزة أبواقًا ينفث منها الشيطان سمومه، بل عليهم أن يقوموا بدورهم -من خلال هذه الأجهزة- في نشر القيم والفضائل السامية، التي بها يزدهر المجتمع ويسعد أفراده.
إن الإسلام لا يعادي المشاعر الإنسانية، ولكنه يسد أبواب الفواحش فالحب حلاله حلال، وحرامه حرام.




النظرة سهم مسموم من سهام إبليس
يقول ابن القيم في ( الداء والدواء ) : النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته ، وفي غض البصر عدة منافع منها :

1- أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم }

2- أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه الى قلبه .

3- أنه يورث القلب أنساً بالله وجمعية عليه ، فإن أطلاق البصر يفرق القلب ويشتته وبيعده عن الله ..

4- أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه .

5- أنه يكسب القلب نوراً ، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر ، فقال تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ..} ثم قال إثر ذلك { الله نور السماوات والأرض ...}

6- أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل ، فالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس العمل ، فإن غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة

7- أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة ..

8- أنه يسد على الشيطان مدخله الى القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي

9- أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والإشتغال بها

10- أن بين العين والقلب منفذاً وطريقاً يوجب إنفصال أحدهما عن الآخر ، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فإذا فسد القلب فسد النظر وإذا فسد النظر فسد القلب ، وكذلك في جانب الصلاح .

هذه إشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ماورائها .

أسأل الله بمنه وكرمه أن يعصمني وأياكم من الزلل ، كما اسأله أن نكون ممن استخدم نعم الله في مرضاته
~ القلب الميت ~

وهو القلب الميت الذى لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى ليلى:
عَدُو لِمَنْ عَادَتْ، وَسِلمٌ لأهْلِهَا وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَأَقْرَبا



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

لقد أوحى الشيطان إلى أتباعه ابتكار آلات اللهو والمعازف والتفنن في الضرب عليها ، وحسن لهم سماع الغناء ونمقه وأظهره لهم بهالة عظيمة ، ليصدهم عن سبيل الله ويفسد قلوبهم ويدمر أخلاقهم 0

وقد كتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده يقول : ( ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان ، وعاقبتها سخط الرحمن ، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب ،كما ينبت العشب على الماء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 210 ) -

فالغناء رسول إبليس إلى القلوب ، إذ به يطرب القلب وتنتشي الأعضاء مما يحرك فيها المعصية ، فهو من أعظم الدواعي لها ، ولهذا فسر صوت الشيطان به ، فعن مجاهد في قوله تعالى : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) ( سورة الإسراء – الآية 64 ) قال استنزل منهم من استطعت ، قال : وصوته الغناء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 214 ) 0

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ( ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين 0 قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) ( سورة الأنفال – الآية 35 ) قال ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما من السلف و " التصدية " التصفيق باليد و " المكاء " مثل الصفير ، فكان المشركون يتخذون هذا عبادة ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك ، والاجتماعات الشرعية ، ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته ، بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه ) ( مجموع الفتاوى - 11 / 295 ) 0

والناظر في أهل هذا الزمان يرى أن الشيطان بلغ مراده في هذا الميدان ، فأصبح صوت الشيطان لسان كل ناعق يبث الغناء في الليل والنهار ، وتفنن شياطين الإنس في ابتكار أحدث الوسائل والأساليب والتقنيات في إيصال الغناء إلى القلوب ، فالتقى الغناء والزنا وشرب الخمر ، واستطاع الشيطان بذلك تحطيم النفوس وإفراغها من كل خوف أو محبة لله 0

سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عن أسباب كثرة إصابة الناس بالسحر أو العين أو المس والصرع ونحو ذلك ؟؟؟

فأجاب – حفظه الله - : ( من أسباب ذلك الغفلة عن ذكر الله وعن تلاوة كتابه ، وذلك لأن الذكر يعتبر حصناً حصيناً من ضرر الشياطين ، ولذلك نرى أهل الخير والصلاح لا يضرهم عمل السحرة ولا حيلهم ، وأكثر ما يتسلطون على أهل الملاهي والغفلة ، كما أن من أسباب الإصابة عمل المعاصي واقتراف الفواحش ، والذنوب ضد على صاحبها ، فلا يؤمن أن يسلط عليه الشيطان بواسطة الساحر والعائن ونحو ذلك ، وهكذا من الأسباب استعمال آلات اللهو وإدخالها في المنازل فإنها مجلبة الشياطين ومردة الجن حيث إن أغلب ما تتسلط الشياطين على أهل الملاهي وتألف تلك المساكن الخالية عن الخير والمليئة بالأشرار ، فيجد الشيطان إليهم سبيلاً ويستطيع الساحر أن يؤثر فيهم بمن سخره من الجن ، سواء بالصرع أو بالمس أو العين ، وهناك أسباب أخرى كالابتلاء والامتحان وإظهار قدرة الله وإظهار أثر المعاصي ونحو ذلك ، ولا شك أن هذه الإصابات كلها بقضاء الله وقدره ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولكن يسلط الشياطين على أعدائه كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) ( سورة مريم – الآية 83 ) أي تزجهم إلى الكفر والمعاصي ، فمن أراد الحفظ أو الوقاية من شرهم الحسي والمعنوي ، فعليه أن يتحصن عن الذنوب بذكر الله وطاعته وكثرة الحسنات والأعمال الصالحة والله يتولى الصالحين ) ( منكرات الإنسان فيما يسلط الجن والشيطان ) 0

وقد عم المسلمين الابتلاء في مشارق الأرض ومغاربها بهذا الداء العظيم ، ولا تكاد تسير في طريق أو تركب دابة أو تنزل منزلا إلا وتسمع من ذلك الكثير ، وقد ورد التحذير والوعيد من الانقياد لسماع الغناء والمزامير ، وتلك بعض الأحاديث الدالة على خطورة ذلك :

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون - أن تستحل الشيء أي أن تأخذه دون وجه حق ودون موافقة صاحبه ، فكيف إن كان الأمر متعلقا بشرع الله ، وصاحب الأمر هو الله سبحانه وتعالى - الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم - يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا : ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) 0

قال العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - : ( يستفاد من الحديث المتقدم فوائد هامة نذكر منها :
أولا : تحريم الخمر ، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين 0
ثانيا : تحريم آلات العزف والطرب ، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه :
أ - قوله : ( يستحلون ) ، فإنه صريح بأن المذكورات - ومنها المعازف - هي في الشرع محرمة ، فيستحلها أولئك القوم 0
ب - اقتران المعازف مع المقطوع حرمته : الزنا والخمر ، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى 0
وقد جاءت أحاديث كثيرة ، بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ كالطبل والقنين - وهو العود - وغيرها ، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه ، اللهم ! إلا الدف في النكاح والعيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه ) ( سلسلة الأحاديث الصحيحة – باختصار - 1 / 188 ، 192 ) 0

* وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ، إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر ) ( صحيح الجامع 3665 ) 0

قال المباركفوري : ( الخسف : أي ذهابا في الأرض وغورا بهم فيها ، والقذف : رمي حجارة من السماء ، والمسخ : أي قلب خلقة من صورة إلى أخرى ، والقينات : أي الإماء المغنيات ) ( تحفة الأحوذي - 6 / 378 )

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم قردة وخنازير ) ( السلسلة الصحيحة 90 ) 0

قال المناوي : ( " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف " أي الدفوف " والقينات " أي الإماء المغنيات " يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " وفيه وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم ، بتغيير اسمه ، وأن الحكم يدور مع العلة في تحريم الخمر وهي الإسكار فمهما وجد الإسكار وجد التحريم ، ولو لم يستمر الاسم 0 قال ابن العربي : هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بإلقائها ، ردا على من جمد على اللفظ0 قال ابن القيم فيه تحريم آلة اللهو ، فإنه قد توعد مستحل المعازف بأنه يخسف به الأرض ويمسخهم قردة وخنازير ، وإن كان الوعيد على جميع الأفعال ، ولكل واحد قسط من الذم والوعيد ) ( فيض القدير – 5 / 391 ، 392 ) 0

* عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة ) ( السلسلة الصحيحة 427 ) 0

قال المناوي : ( هو الآلة التي يزمر بها بكسر الميم 0 قال الشارح : والمراد هنا الغناء لا القصبة التي يزمر بها كما دل عليه كلام كثير من الشراح " ورنة " أي صيحة " عند مصيبة " 0 قال القرطبي وابن تيمية : فيه دلالة على تحريم الغناء ، فإن المزمار هو نفس صوت الإنسان يسمى مزمارا كما في قوله : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود ) ( فيض القدير – باختصار – 4 / 210 ) 0

* ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – في قول الله عز وجل : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – الآية 6 ) 0

قال ابن كثير – رحمه الله - : ( قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - : " لهو الحديث " الغناء والله الذي لا إله إلا هو0 يرددها ثلاث مرات 0
وكثير من علماء السلف من قال بذلك منهم ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومكحول ، وعمرو بن شعيب ، وعلي بن بذيمة ، والحسن البصري ) ( تفسير القرآن العظيم - 3 / 378 ) 0

والمتأمل لهذه الأحاديث والآثار يلاحظ التحذير والوعيد الشديد لمن انقاد وراء الغناء والمزمار ، فجعله ديدنه في الصبح والمساء ، وبدلا من أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبه وجلاء همه وحزنه ، جعل ناصيته بيد الشيطان فاستحوذ عليه وقاده لما يسخط الرحمن 0

ونعجب من أولئك الذين أباحوا ذلك الأمر ، فأين حجتهم وأين دليلهم ، والدليل شاهد قوي لحرمة ذلك الأمر وخطورته من سياق الأحاديث آنفة الذكر فنسأل الله العافية 0

والمتتبع للمعاني التي تحتويها وترمز إليها معظم الأغاني التي تذاع اليوم ، يجدها :

أ - الكفر الصريح بالحق جل وعلا 0
ب- الشرك بالله سبحانه وتعالى 0
ج - الدعوة الصريحة للإباحية والفساد 0

إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي اليوم يعتصر قلبه حزنا وأسى ، لما يراه ويسمعه من تفش للمظاهر الهدامة والدخيلة في مجتمعاتنا الإسلامية ، فأصبح القدوة اليوم المطرب والمطربة ، وترى كثيرا من الناس من يشار لهم بالبنان ، وينظر إليهم نظرة إجلال وإكبار وتقدير ، مع أنهم حقيقة ليسوا كذلك ، بل هم من شرار خلق الله على الإطلاق ، ولا تحتوي قلوبهم على مثقال ذرة من الإيمان ، مصداقا لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث الطويل الذي رواه حذيفة – رضي الله عنه – ونقتصر على ما يهمنا في هذا الموضع : ( 000 فيصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة 0 حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا 0 وحتى يقال للرجل : ما أعقله ! وأجلده ! وأظرفه ! وما في قلبه حبة خردل من إيمان 000 ) ( متفق عليه ) 0

قال المباركفوري : ( " وحتى يقال للرجل" أي من أرباب الدنيا ، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر ، وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة :" ما أجلده " بالجيم " وأظرفه " بالظاء المعجمة " وأعقله " بالعين المهملة والقاف ، تعجبا من كماله واستغرابا من مقاله واستبعادا من جماله 0
وحاصله 00 أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه ، ولا يمدحون أحدا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح " وما في قلبه " حال من الرجل أي والحال أنه ليس في قلبه " مثقال حبة " أي مقدار شيء قليل " من خردل " من بيانية لحبة هي خردل " من إيمان " أي كائنا منه ) ( تحفة الأحوذي – 6 / 337 ، 338 ) 0

وقد حصل ذلك نتيجة لتفشي الجهل الذي ابتليت به تلك المجتمعات ، وما فطنت هذه المجتمعات أن هذا الصنف من الناس بعيد عن كتاب الله وسنة رسوله e مخالفين بذلك الشريعة والفطرة والعقل ، وقد تعدى ضررهم إلى غيرهم من المسلمين ، فكانوا سلاح الشيطان إلى القلوب ، وطريقه إلى الهوى 0

إن القدوة لا بد أن تكون لمن هو أهل لها ، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى الذي لا بد من الاقتداء به في سائر مراحل الحياة ودروبها ، لأنه تربى على القرآن ، وكان خلقه في حياته ، كما ثبت من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : ( كان خلقه القرآن ) ( صحيح الجامع 4811 ) 0

قال المناوي : ( " كان خلقه " بالضم : قال الراغب : هو والمفتوح الخاء بمعنى واحد " القرآن " أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك وقال القاضي : أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن ، فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه فكان القرآن بيان خلقه 0 انتهى 0 وقال في الديباج معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبيره وحسن تلاوته ) ( فيض القدير - 5 / 170 ) 0

وكذلك الاقتداء بخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين 0

ولا بد للمرأة المسلمة أن تجعل القدوة في أمهات المؤمنين خديجة وعائشة وحفصة وسائر الصحابيات رضوان الله عليهن أجمعين ، ويكون لها ذلك نموذجا في الالتزام والتصرف والسلوك ، لأنهن قد تربين على كتاب ربهن وسنة نبيهن صلى الله عليه وسلم 0

فعلينا الحذر من التقليد واتخاذ القدوة من الذين لا خلاق لهم في الدنيا ، والذين لا يذكرون الله ولا يخافون منه ولا يتجهون إليه ، وممن خالفوا أمره وارتكبوا ما نهى عنه ، فإن اتخاذ القدوة من هؤلاء تفضي إلى مجانستهم ومحبتهم والميل إليهم ، وكل إنسان يحشر مع من أحب ، كما ثبت من حديث أنس وابن مسعود – رضي الله عنهما – قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرء مع من أحب ) ( متفق عليه ) 0

قال المناوي : ( " المرء مع من أحب " طبعا وعقلا وجزاء ومحلا فكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بطبعه شاء أم أبى ، وكل امريء يصبو إلى مناسبه رضي أم سخط ، فالنفوس العلوية تنجذب بذواتها وهممها وعملها إلى أعلى ، والنفوس الدنية تنجذب بذواتها إلى أسفل ، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أم الأسفل ؟ فلينظر أين هو ؟ ومع من هو في هذا العالم ؟ فإن الروح إذا فارقت البدن تكون مع الرفيق الذي كانت تنجذب إليه في الدنيا ، فهو أولى بها ، فمن أحب الله فهو معه في الدنيا والآخرة ، إن تكلم فبالله ، وإن نطق فمن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكت فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله 0 واتفقوا على أن المحبة لا تصح إلا بتوحيد المحبوب ، وأن من ادعى محبته ثم لم يحفظ حدوده فليس بصادق 0 وقيل : المراد هنا من أحب قوما بإخلاص فهو في زمرتهـم وإن لم يعمل عملهم ، لثبوت التقارب مع قلوبهم - قال أنس : ما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث 0 وفي ضمنه حث على حب الأخيار رجاء اللحاق بهم في دار القرار والخلاص من النار والقرب من الجبار ، والترغيب في الحب في الله ، والترهيب من التباغض بين المسلمين لأن من لازمها فوات هذه المعية ، وفيه رمز إلى أن التحابب بين الكفار ينتج لهم المعية في النار وبئس القرار ) ( فيض القدير - 265 ، 266 ) 0

فمن أحب محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن تبعهم من سلف الأمة فسيحشر معهم ، وإن كان إلى غيرهم متجها وله مقلدا فإنه سيحشر مع هذه الزمرة ، وقد ينتهي به المصير إلى عذاب السعير 0

قال ابن القيم - رحمه الله - : ( فمن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء والتصدية ، والغناء بالآلات المحرمة ، الذي يصد القلوب عن القرآن ، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان ، فهو قرآن الشيطان ، والحجاب الكثيف عن الرحمن ، وهو رقية اللواط والزنى ، وكاد به الشيطان النفوس المبطلة ، وحسنه لها مكرا وغرورا ، وأوحى لها الشبه الباطلة على حسنها ، فقبلت وحيه ، واتخذت لأجله القرآن مهجورا 00 ) ( إغاثة اللهفان – 1 / 242 ) 0

سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن حكم الاستماع للغناء والموسيقى فأجاب – رحمه الله - : ( لا يجوز استماع الأغاني وآلات الملاهي لما في ذلك من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولأن استماعها يمرض القلوب ويقسيها 00 وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على تحريم ذلك 00 أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – جزء من الآية 6 ) الآية وقد فسر أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم لهو الحديث بأنه الغناء وآلات اللهو 0 وروى البخاري – رحمه الله – في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) الحديث 0 والحر هو الفرج الحرام ، والحرير معروف وهو حرام على الذكور ، والخمر معروف وهو كل مسكر وهو حرام على جميع المسلمين من الذكور والإناث والصغار والكبار 00 وهو من كبائر الذنوب 00 والمعازف تشمل الغناء وآلات اللهو كالموسيقى والكمان والعود والرباب وأشباه ذلك 00 وفي الباب آيات وأحاديث أخرى غير ما ذكرنا ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) ( فتاوى إسلامية – مجموعة من العلماء – 3 / 291 ) 0

يقول الأستاذ محمد علي حمد السيدابي : ( اللهو والغناء : هذان أخطر مصائد الشيطان ، واللهو في اللغة : اللعب 0 والغناء : الصوت الذي يطرب 0 وتغنى بالمرأة إذا تغزَّل بها 0 والغناء واللهو من مصائد الشيطان وحبائله التي ينصبها لإضلال الناس ) ( حقيقة الجن والشياطين من الكتاب والسنة – ص 74 ) 0

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا وشر الشيطان وشركه ، وأن يقينا صغائر الأمور وكبائرها ، وأن يعفو عنا وأن يغفر لنا ويرحمنا ، وينصرنا على القوم الكافرين ، مع تمنياتي للجميع بالصحة والسلامة والعافية :



للأمانة منقول وليس بمسروق
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

يمكن الاستفادة والرجوع للكتب العامة بمواضيع أعمال القلوب أو محاسن أو مساوىء الأخلاق أو السلوك والآداب فهي تتكلم غالباً عن المواضيع الخاصة في ثناياها.





الحب من أسمى العواطف الإنسانية، وأرقى الغرائز التي جبلت عليها الفطرة البشرية، وهو إحساس وشعور نفسي ووجداني، ينجذب به القلب تجاه المحبوب بحماسة وعاطفة جياشة.
درجات الحب:
والحب درجات، أسماها حب الله ورسوله، ثم حب الأهل وخاصة الوالدين والأقارب والأصدقاء، ثم الحب بين الرجل والمرأة. والحب بين الرجل والمرأة منه الحلال، وهو الذي يربط بين الزوج وزوجته، ومنه الحرام كالانحرافات والشذوذ والعلاقات غير الشرعية بين الرجل والمرأة.
والحب الحلال ينشأ في ظل الله ورضاه، ويترعرع تحت أعين الناس وبمباركتهم، أما الحب الحرام فينبت في تربة سوء يرعاها الشيطان، ويرويها بالغواية والضلال، ويزينها بالهوى. والحب الحلال يباركه الله، ويغبطه الناس، أما الحب الحرام فلا يرضى عنه الله ويرفضه المجتمع.
والمرأة بحكم تكوينها النفسي، أكثر عاطفة، وأرهف إحساسًا من الرجل، فحبها أعمق وشعورها أقوى، ولكن الحب -في كثير من حالاته- أصبح مشكلة خطيرة تضر بالمجتمع وأفراده، فقد طغت الصور المحرمة منه على الصور الحلال، وانتشر الفساد، وتفككت الأسر، وخُرِّبت البيوت، وانتهكت الحرمات، كل هذا تحت شعار الحب.
أسباب المشكلة:
ولمشكلة الحب الحرام أسباب عديدة منها:
انتشار كثير من المفاهيم والأفكار الخاطئة لدى الشباب عن ضرورة ممارسة الحب، وتجربته، ومعايشته، مما ينتج عنه من سوء الخلق المتفشي في أيامنا هذه، والاختلاط الفاسد دون رقابة أو حدود في البيت بين الأقارب وغير الأقارب، وفي الشارع، وفي وسائل المواصلات، وفي المدارس والجامعات، وفي الأندية والمنتزهات، فكان سبيلاً للفساد ونشر الفتن والشرور، فبه تسهل الرذيلة ويعمل الشيطان عمله.
قال الشاعر :
نظرة فابتسامة فســلام فكلام فموعــد فلقـاء
فالنظرة سهم من سهام إبليس، فمن أطلق لها العنان لم يجن إلا الهلاك.
يقول الشاعر:
كل الحـوادث مبداها من النظـر ومعظم النار من مستصغر الشــرر
وسائل الإعلام بصورها العديدة، وما تبثه من أفكار، وما تعرضه من أفلام ومسلسلات، تصور الحب الحرام في صور تجعل منه عنوان التضحية والوفاء، فتمسخ بذلك قيم وأخلاق الشباب، وتدفعهم إلى التجربة دفعًا حتى يكون لهم نصيب من هذه التضحية والفناء في سبيل الحب!!
نتائج المشكلة:
فكان نتيجة هذه الأسباب أن انتشرت الفتن وغلبت الشهوات، فكم من زوجة خانت زوجها، وكم من زوج خان زوجته، وكم من فتاة فقدت عنوان شرفها، وكم من فتى عاث فسادًا، وكم من مقدسات انتهكت، وحرمات أبيحت، كل هذا تحت دعوى الحب!!
دور المرأة:
وهنا يأتي دور المرأة أو الفتاة، والتي إذا فرطت في كرامتها وانساقت مع تيار هواها، كانت سبيلاً للفتنة والفساد، فهي الزوجة التي بحبها لزوجها وكونها السكن والأمان له تصون بيتها وتحفظ مجتمعها، وهي الأم التي بتربيتها لأبنائها وفق المبادئ والقيم السامية تمد المجتمع بالسواعد القادرة على بنائه والنهوض به، فعلى المسلمة الالتزام بالضوابط التي وضعها الإسلام لما فيه صلاح الأفراد وخير المجتمع...
ضوابط إسلامية:
ويجب مراعاة بعض الضوابط التي وضعها الإسلام لصيانة الفرد وحماية المجتمع مثل:
1- الأمر بغض البصر والنهي عن النظر الحرام، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} [النور: 30-31]، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال، قال (: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أتاه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) [الحاكم].
2- عدم الاختلاط إلا لضرورة تهدف لخير الإسلام والمسلمين، وتجنب الاختلاط الفاسد للهو والعبث.
3- الاهتمام بالزواج، والترغيب فيه، وتيسير سبله، وجعله الوسيلة الشرعية لتحقيق الحب والسكن، قال تعالى : {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21]، وقال (: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)
[متفق عليه].
4- حث المرأة على الحفاظ على زوجها، وعلى حيوية الحب بينهما من خلال أعمال بسيطة كتبادل الهدايا، والنظرات الحانية الدافئة، والمشاركة يدًا بيد في أعماله ونشاطاته، فالحب كالزرع ينمو بالرعاية، ويذبل بالإهمال.
5- الدعوة إلى التمسك بالفضائل، ونهي النفس عن الهوى، قال تعالى: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى}
[النازعات: 40-41].
6- بيان أن كل أمور الدنيا ما هي إلا وسائل نحو الغاية السامية، وهي الوصول لأسمى درجات الإيمان ممثلة في حب الله ورسوله، فهو غاية الفرد التي إليها يسعى، وبها ينال الفوز والسعادة قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبًّا لله} [البقرة: 165]، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31].
7- دعوة المسؤولين عن وسائل الإعلام أن يتقوا الله في ما يبثونه من مادة إعلامية على شباب وفتيات، ونساء ورجال هذه الأمة، ولا يتخذوا من هذه الأجهزة أبواقًا ينفث منها الشيطان سمومه، بل عليهم أن يقوموا بدورهم -من خلال هذه الأجهزة- في نشر القيم والفضائل السامية، التي بها يزدهر المجتمع ويسعد أفراده.
إن الإسلام لا يعادي المشاعر الإنسانية، ولكنه يسد أبواب الفواحش فالحب حلاله حلال، وحرامه حرام.




النظرة سهم مسموم من سهام إبليس
يقول ابن القيم في ( الداء والدواء ) : النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته ، وفي غض البصر عدة منافع منها :

1- أنه إمتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم }

2- أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه الى قلبه .

3- أنه يورث القلب أنساً بالله وجمعية عليه ، فإن أطلاق البصر يفرق القلب ويشتته وبيعده عن الله ..

4- أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعف القلب ويحزنه .

5- أنه يكسب القلب نوراً ، ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر ، فقال تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ..} ثم قال إثر ذلك { الله نور السماوات والأرض ...}

6- أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل ، فالله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس العمل ، فإن غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة

7- أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة ..

8- أنه يسد على الشيطان مدخله الى القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها الى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي

9- أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والإشتغال بها

10- أن بين العين والقلب منفذاً وطريقاً يوجب إنفصال أحدهما عن الآخر ، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده فإذا فسد القلب فسد النظر وإذا فسد النظر فسد القلب ، وكذلك في جانب الصلاح .

هذه إشارة الى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ماورائها .

أسأل الله بمنه وكرمه أن يعصمني وأياكم من الزلل ، كما اسأله أن نكون ممن استخدم نعم الله في مرضاته
~ القلب الميت ~

وهو القلب الميت الذى لا حياة به، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه، بل هو واقف مع شهواته ولذاته؛ ولو كان فيها سخط ربه وغضبه، فهو لا يبالى إذا فاز بشهوته وحظه، رضى ربه أم سخط، فهو متعبد لغير الله: حبا، وخوفا، ورجاء، ورضا، وسخطا، وتعظيما؛ وذلا. إن أحب أحب لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه. فهواه آثر عنده وأحب إليه من رضا مولاه. فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. فهو بالفكر فى تحصيل أغراضه الدنيوية مغمور، وبسكرة الهوى وحب العاجلة مخمور. ينادى إلى الله وإلى الدار الآخرة من مكان بعيد، فلا يستجيب للناصح، ويتبع كل شيطان مريد. الدنيا تسخطه وترضيه. والهوى يصمه عما سوى الباطل ويعميه. فهو فى الدنيا كما قيل فى ليلى:
عَدُو لِمَنْ عَادَتْ، وَسِلمٌ لأهْلِهَا وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَأَقْرَبا



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،،،

لقد أوحى الشيطان إلى أتباعه ابتكار آلات اللهو والمعازف والتفنن في الضرب عليها ، وحسن لهم سماع الغناء ونمقه وأظهره لهم بهالة عظيمة ، ليصدهم عن سبيل الله ويفسد قلوبهم ويدمر أخلاقهم 0

وقد كتب عمر بن عبدالعزيز إلى مؤدب ولده يقول : ( ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان ، وعاقبتها سخط الرحمن ، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب ،كما ينبت العشب على الماء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 210 ) -

فالغناء رسول إبليس إلى القلوب ، إذ به يطرب القلب وتنتشي الأعضاء مما يحرك فيها المعصية ، فهو من أعظم الدواعي لها ، ولهذا فسر صوت الشيطان به ، فعن مجاهد في قوله تعالى : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ) ( سورة الإسراء – الآية 64 ) قال استنزل منهم من استطعت ، قال : وصوته الغناء ) ( مختصر إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان – ص 214 ) 0

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : ( ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين 0 قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) ( سورة الأنفال – الآية 35 ) قال ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - وغيرهما من السلف و " التصدية " التصفيق باليد و " المكاء " مثل الصفير ، فكان المشركون يتخذون هذا عبادة ، وأما النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك ، والاجتماعات الشرعية ، ولم يجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على استماع غناء قط لا بكف ولا بدف ولا تواجد ولا سقطت بردته ، بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه ) ( مجموع الفتاوى - 11 / 295 ) 0

والناظر في أهل هذا الزمان يرى أن الشيطان بلغ مراده في هذا الميدان ، فأصبح صوت الشيطان لسان كل ناعق يبث الغناء في الليل والنهار ، وتفنن شياطين الإنس في ابتكار أحدث الوسائل والأساليب والتقنيات في إيصال الغناء إلى القلوب ، فالتقى الغناء والزنا وشرب الخمر ، واستطاع الشيطان بذلك تحطيم النفوس وإفراغها من كل خوف أو محبة لله 0

سئل فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين عن أسباب كثرة إصابة الناس بالسحر أو العين أو المس والصرع ونحو ذلك ؟؟؟

فأجاب – حفظه الله - : ( من أسباب ذلك الغفلة عن ذكر الله وعن تلاوة كتابه ، وذلك لأن الذكر يعتبر حصناً حصيناً من ضرر الشياطين ، ولذلك نرى أهل الخير والصلاح لا يضرهم عمل السحرة ولا حيلهم ، وأكثر ما يتسلطون على أهل الملاهي والغفلة ، كما أن من أسباب الإصابة عمل المعاصي واقتراف الفواحش ، والذنوب ضد على صاحبها ، فلا يؤمن أن يسلط عليه الشيطان بواسطة الساحر والعائن ونحو ذلك ، وهكذا من الأسباب استعمال آلات اللهو وإدخالها في المنازل فإنها مجلبة الشياطين ومردة الجن حيث إن أغلب ما تتسلط الشياطين على أهل الملاهي وتألف تلك المساكن الخالية عن الخير والمليئة بالأشرار ، فيجد الشيطان إليهم سبيلاً ويستطيع الساحر أن يؤثر فيهم بمن سخره من الجن ، سواء بالصرع أو بالمس أو العين ، وهناك أسباب أخرى كالابتلاء والامتحان وإظهار قدرة الله وإظهار أثر المعاصي ونحو ذلك ، ولا شك أن هذه الإصابات كلها بقضاء الله وقدره ، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولكن يسلط الشياطين على أعدائه كما قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ) ( سورة مريم – الآية 83 ) أي تزجهم إلى الكفر والمعاصي ، فمن أراد الحفظ أو الوقاية من شرهم الحسي والمعنوي ، فعليه أن يتحصن عن الذنوب بذكر الله وطاعته وكثرة الحسنات والأعمال الصالحة والله يتولى الصالحين ) ( منكرات الإنسان فيما يسلط الجن والشيطان ) 0

وقد عم المسلمين الابتلاء في مشارق الأرض ومغاربها بهذا الداء العظيم ، ولا تكاد تسير في طريق أو تركب دابة أو تنزل منزلا إلا وتسمع من ذلك الكثير ، وقد ورد التحذير والوعيد من الانقياد لسماع الغناء والمزامير ، وتلك بعض الأحاديث الدالة على خطورة ذلك :

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون - أن تستحل الشيء أي أن تأخذه دون وجه حق ودون موافقة صاحبه ، فكيف إن كان الأمر متعلقا بشرع الله ، وصاحب الأمر هو الله سبحانه وتعالى - الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم - يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا : ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) 0

قال العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله - : ( يستفاد من الحديث المتقدم فوائد هامة نذكر منها :
أولا : تحريم الخمر ، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين 0
ثانيا : تحريم آلات العزف والطرب ، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه :
أ - قوله : ( يستحلون ) ، فإنه صريح بأن المذكورات - ومنها المعازف - هي في الشرع محرمة ، فيستحلها أولئك القوم 0
ب - اقتران المعازف مع المقطوع حرمته : الزنا والخمر ، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى 0
وقد جاءت أحاديث كثيرة ، بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ كالطبل والقنين - وهو العود - وغيرها ، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه ، اللهم ! إلا الدف في النكاح والعيد ، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه ) ( سلسلة الأحاديث الصحيحة – باختصار - 1 / 188 ، 192 ) 0

* وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ، إذا ظهرت المعازف والقينات ، واستحلت الخمر ) ( صحيح الجامع 3665 ) 0

قال المباركفوري : ( الخسف : أي ذهابا في الأرض وغورا بهم فيها ، والقذف : رمي حجارة من السماء ، والمسخ : أي قلب خلقة من صورة إلى أخرى ، والقينات : أي الإماء المغنيات ) ( تحفة الأحوذي - 6 / 378 )

* عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات ، يخسف الله بهم الأرض ، ويجعل منهم قردة وخنازير ) ( السلسلة الصحيحة 90 ) 0

قال المناوي : ( " ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ، ويضرب على رؤوسهم بالمعازف " أي الدفوف " والقينات " أي الإماء المغنيات " يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير " وفيه وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم ، بتغيير اسمه ، وأن الحكم يدور مع العلة في تحريم الخمر وهي الإسكار فمهما وجد الإسكار وجد التحريم ، ولو لم يستمر الاسم 0 قال ابن العربي : هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بإلقائها ، ردا على من جمد على اللفظ0 قال ابن القيم فيه تحريم آلة اللهو ، فإنه قد توعد مستحل المعازف بأنه يخسف به الأرض ويمسخهم قردة وخنازير ، وإن كان الوعيد على جميع الأفعال ، ولكل واحد قسط من الذم والوعيد ) ( فيض القدير – 5 / 391 ، 392 ) 0

* عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة : مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة ) ( السلسلة الصحيحة 427 ) 0

قال المناوي : ( هو الآلة التي يزمر بها بكسر الميم 0 قال الشارح : والمراد هنا الغناء لا القصبة التي يزمر بها كما دل عليه كلام كثير من الشراح " ورنة " أي صيحة " عند مصيبة " 0 قال القرطبي وابن تيمية : فيه دلالة على تحريم الغناء ، فإن المزمار هو نفس صوت الإنسان يسمى مزمارا كما في قوله : لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داوود ) ( فيض القدير – باختصار – 4 / 210 ) 0

* ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنه – في قول الله عز وجل : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – الآية 6 ) 0

قال ابن كثير – رحمه الله - : ( قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - : " لهو الحديث " الغناء والله الذي لا إله إلا هو0 يرددها ثلاث مرات 0
وكثير من علماء السلف من قال بذلك منهم ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، ومكحول ، وعمرو بن شعيب ، وعلي بن بذيمة ، والحسن البصري ) ( تفسير القرآن العظيم - 3 / 378 ) 0

والمتأمل لهذه الأحاديث والآثار يلاحظ التحذير والوعيد الشديد لمن انقاد وراء الغناء والمزمار ، فجعله ديدنه في الصبح والمساء ، وبدلا من أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبه وجلاء همه وحزنه ، جعل ناصيته بيد الشيطان فاستحوذ عليه وقاده لما يسخط الرحمن 0

ونعجب من أولئك الذين أباحوا ذلك الأمر ، فأين حجتهم وأين دليلهم ، والدليل شاهد قوي لحرمة ذلك الأمر وخطورته من سياق الأحاديث آنفة الذكر فنسأل الله العافية 0

والمتتبع للمعاني التي تحتويها وترمز إليها معظم الأغاني التي تذاع اليوم ، يجدها :

أ - الكفر الصريح بالحق جل وعلا 0
ب- الشرك بالله سبحانه وتعالى 0
ج - الدعوة الصريحة للإباحية والفساد 0

إن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي اليوم يعتصر قلبه حزنا وأسى ، لما يراه ويسمعه من تفش للمظاهر الهدامة والدخيلة في مجتمعاتنا الإسلامية ، فأصبح القدوة اليوم المطرب والمطربة ، وترى كثيرا من الناس من يشار لهم بالبنان ، وينظر إليهم نظرة إجلال وإكبار وتقدير ، مع أنهم حقيقة ليسوا كذلك ، بل هم من شرار خلق الله على الإطلاق ، ولا تحتوي قلوبهم على مثقال ذرة من الإيمان ، مصداقا لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديث الطويل الذي رواه حذيفة – رضي الله عنه – ونقتصر على ما يهمنا في هذا الموضع : ( 000 فيصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة 0 حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا 0 وحتى يقال للرجل : ما أعقله ! وأجلده ! وأظرفه ! وما في قلبه حبة خردل من إيمان 000 ) ( متفق عليه ) 0

قال المباركفوري : ( " وحتى يقال للرجل" أي من أرباب الدنيا ، ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر ، وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة :" ما أجلده " بالجيم " وأظرفه " بالظاء المعجمة " وأعقله " بالعين المهملة والقاف ، تعجبا من كماله واستغرابا من مقاله واستبعادا من جماله 0
وحاصله 00 أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه ، ولا يمدحون أحدا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح " وما في قلبه " حال من الرجل أي والحال أنه ليس في قلبه " مثقال حبة " أي مقدار شيء قليل " من خردل " من بيانية لحبة هي خردل " من إيمان " أي كائنا منه ) ( تحفة الأحوذي – 6 / 337 ، 338 ) 0

وقد حصل ذلك نتيجة لتفشي الجهل الذي ابتليت به تلك المجتمعات ، وما فطنت هذه المجتمعات أن هذا الصنف من الناس بعيد عن كتاب الله وسنة رسوله e مخالفين بذلك الشريعة والفطرة والعقل ، وقد تعدى ضررهم إلى غيرهم من المسلمين ، فكانوا سلاح الشيطان إلى القلوب ، وطريقه إلى الهوى 0

إن القدوة لا بد أن تكون لمن هو أهل لها ، ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القدوة الأولى الذي لا بد من الاقتداء به في سائر مراحل الحياة ودروبها ، لأنه تربى على القرآن ، وكان خلقه في حياته ، كما ثبت من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : ( كان خلقه القرآن ) ( صحيح الجامع 4811 ) 0

قال المناوي : ( " كان خلقه " بالضم : قال الراغب : هو والمفتوح الخاء بمعنى واحد " القرآن " أي ما دل عليه القرآن من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده إلى غير ذلك وقال القاضي : أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن ، فإن كل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه فقد تحلى به وكل ما استهجنه ونهى عنه تجنبه وتخلى عنه فكان القرآن بيان خلقه 0 انتهى 0 وقال في الديباج معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه والاعتبار بأمثاله وقصصه وتدبيره وحسن تلاوته ) ( فيض القدير - 5 / 170 ) 0

وكذلك الاقتداء بخلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين 0

ولا بد للمرأة المسلمة أن تجعل القدوة في أمهات المؤمنين خديجة وعائشة وحفصة وسائر الصحابيات رضوان الله عليهن أجمعين ، ويكون لها ذلك نموذجا في الالتزام والتصرف والسلوك ، لأنهن قد تربين على كتاب ربهن وسنة نبيهن صلى الله عليه وسلم 0

فعلينا الحذر من التقليد واتخاذ القدوة من الذين لا خلاق لهم في الدنيا ، والذين لا يذكرون الله ولا يخافون منه ولا يتجهون إليه ، وممن خالفوا أمره وارتكبوا ما نهى عنه ، فإن اتخاذ القدوة من هؤلاء تفضي إلى مجانستهم ومحبتهم والميل إليهم ، وكل إنسان يحشر مع من أحب ، كما ثبت من حديث أنس وابن مسعود – رضي الله عنهما – قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المرء مع من أحب ) ( متفق عليه ) 0

قال المناوي : ( " المرء مع من أحب " طبعا وعقلا وجزاء ومحلا فكل مهتم بشيء فهو منجذب إليه وإلى أهله بطبعه شاء أم أبى ، وكل امريء يصبو إلى مناسبه رضي أم سخط ، فالنفوس العلوية تنجذب بذواتها وهممها وعملها إلى أعلى ، والنفوس الدنية تنجذب بذواتها إلى أسفل ، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أم الأسفل ؟ فلينظر أين هو ؟ ومع من هو في هذا العالم ؟ فإن الروح إذا فارقت البدن تكون مع الرفيق الذي كانت تنجذب إليه في الدنيا ، فهو أولى بها ، فمن أحب الله فهو معه في الدنيا والآخرة ، إن تكلم فبالله ، وإن نطق فمن الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، وإن سكت فمع الله ، فهو بالله ولله ومع الله 0 واتفقوا على أن المحبة لا تصح إلا بتوحيد المحبوب ، وأن من ادعى محبته ثم لم يحفظ حدوده فليس بصادق 0 وقيل : المراد هنا من أحب قوما بإخلاص فهو في زمرتهـم وإن لم يعمل عملهم ، لثبوت التقارب مع قلوبهم - قال أنس : ما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث 0 وفي ضمنه حث على حب الأخيار رجاء اللحاق بهم في دار القرار والخلاص من النار والقرب من الجبار ، والترغيب في الحب في الله ، والترهيب من التباغض بين المسلمين لأن من لازمها فوات هذه المعية ، وفيه رمز إلى أن التحابب بين الكفار ينتج لهم المعية في النار وبئس القرار ) ( فيض القدير - 265 ، 266 ) 0

فمن أحب محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ومن تبعهم من سلف الأمة فسيحشر معهم ، وإن كان إلى غيرهم متجها وله مقلدا فإنه سيحشر مع هذه الزمرة ، وقد ينتهي به المصير إلى عذاب السعير 0

قال ابن القيم - رحمه الله - : ( فمن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء والتصدية ، والغناء بالآلات المحرمة ، الذي يصد القلوب عن القرآن ، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان ، فهو قرآن الشيطان ، والحجاب الكثيف عن الرحمن ، وهو رقية اللواط والزنى ، وكاد به الشيطان النفوس المبطلة ، وحسنه لها مكرا وغرورا ، وأوحى لها الشبه الباطلة على حسنها ، فقبلت وحيه ، واتخذت لأجله القرآن مهجورا 00 ) ( إغاثة اللهفان – 1 / 242 ) 0

سئل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن حكم الاستماع للغناء والموسيقى فأجاب – رحمه الله - : ( لا يجوز استماع الأغاني وآلات الملاهي لما في ذلك من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولأن استماعها يمرض القلوب ويقسيها 00 وقد دل كتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم على تحريم ذلك 00 أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) ( سورة لقمان – جزء من الآية 6 ) الآية وقد فسر أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم لهو الحديث بأنه الغناء وآلات اللهو 0 وروى البخاري – رحمه الله – في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ) ( السلسلة الصحيحة 91 ) الحديث 0 والحر هو الفرج الحرام ، والحرير معروف وهو حرام على الذكور ، والخمر معروف وهو كل مسكر وهو حرام على جميع المسلمين من الذكور والإناث والصغار والكبار 00 وهو من كبائر الذنوب 00 والمعازف تشمل الغناء وآلات اللهو كالموسيقى والكمان والعود والرباب وأشباه ذلك 00 وفي الباب آيات وأحاديث أخرى غير ما ذكرنا ذكرها العلامة ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) ( فتاوى إسلامية – مجموعة من العلماء – 3 / 291 ) 0

يقول الأستاذ محمد علي حمد السيدابي : ( اللهو والغناء : هذان أخطر مصائد الشيطان ، واللهو في اللغة : اللعب 0 والغناء : الصوت الذي يطرب 0 وتغنى بالمرأة إذا تغزَّل بها 0 والغناء واللهو من مصائد الشيطان وحبائله التي ينصبها لإضلال الناس ) ( حقيقة الجن والشياطين من الكتاب والسنة – ص 74 ) 0

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا شر أنفسنا وشر الشيطان وشركه ، وأن يقينا صغائر الأمور وكبائرها ، وأن يعفو عنا وأن يغفر لنا ويرحمنا ، وينصرنا على القوم الكافرين ، مع تمنياتي للجميع بالصحة والسلامة والعافية :



للأمانة منقول وليس بمسروق
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 12-11-2007
الصورة الرمزية نمر BN عدوان
نمر BN عدوان نمر BN عدوان غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2007
العمر: 35
المشاركات: 3
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

يا حماعه مهما صار الخيانه مرفوضه بكل صورها بس عندى سؤال حق الزوج الخاين يرضي زوجته تخونه ( خل يحط نفسه بهل موقف) قبل مايخون بنت الناس
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

الذئاب البشرية تعرف من أين تأكل الكتف والاصطياد في الماء العكر ، ورفقاء السوء يزينون تلك الأعمال لقرنائهم .... حيث أصبحت الصديقة تحل مقام الزوجة الثانية ، طبعا بعض المسعورين يحللون لأنفسهم ما لا يرضونه لأهلهم سواء كانت زوجته عمته ، أمه ، خالته .....
وان كثروا من الخطى الى المساجد ، فكيف من يلتزم بكثرة الخطى الى الفروض الخمس ولم تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ...... انها علامات الساعة التي اقتربت أشراطها والناس في غفله ساهون
اقترحت احدى ناشطات حقوق المرأة بفتح مكتب للتبليغ عن حالات الخيانات الاجرامية ، وذلك ضمن أحد المشاريع لجمعيتها وستكون لجنة متخصصة لمتابعة ذلك

التعديل الأخير تم بواسطة golden beach ; 12-11-2007 الساعة 03:04 AM
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 12-11-2007
ساحل أيانابا ساحل أيانابا غير متواجد حالياً
العضو الفضي
 
تاريخ التسجيل: Jan 2006
العمر: 35
المشاركات: 1,134
مشاركة: لماذا يخون الرجل زوجته ؟!

[glow="CCCCFF"]

[glint]

ساعات ذروة الخيانة


عند ذهاب الزوجة الى مشوار يتقين الخائن بانها لن ترجع خلال بضع ساعات مثل حفلة زفاف .... زيارة الأهل .... المناسبات العائلية


مؤشرات الخيانة

كثرة انشغال الخائن بأعمال جانبية ، وخروجه الغير معتاد من المنزل ،

كثرة الأعذار بالضغوط العملية وأن عمل الأمس لم ينجز




كثرة السرحان


الاهتمام الزائف بالزوجة وذلك من أجل عملية تمويه لسد باب الشك في الخيانة



اسناد المهمات العائلية للخائن لكي يقوم بها أهل الزوجة وذلك لازدياد الاعذار بالاعباء الجسيمة والمطلوب منه أدائها في العمل ...
لارهاق الزوجة بالاعباء العائلية مثل طلب منها كثرة الانجاب أو أعباء لا يمكن حدوثها حتى يسمح لنفسه بتبريرات خيانته أو تعريضها لأذى بالغ الضرر


[/glint]

[glow="CCCCFF"]

[glint]أما اذا كان من فصيلة الديوث فيطلب منها مجالسة الغرباء والتودد اليهم.... [/glint]
[/glow]
[/glow]

التعديل الأخير تم بواسطة golden beach ; 12-11-2007 الساعة 08:40 AM
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:44 AM

المعلومات الواردة في هذا الموقع لا تعبر عن وجهة نظر الإدارة وإنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها
الإدارة لاتتحمل أدنى مسؤلية عما يكتبه الاعضاء من مواضيع ومشاركات أو رسائل خاصة



©2002-2011 منتديات مملكة البحرين، جميع الحقوق محفوظة.